: محبي فلسطين :

وطني وذكرك بلسمي ومداد جرحك من دمي شلت يميني إن نسيتك ياوطن
رحلة مع مجاهد (1)

 
مرج الزهور
------

 

 


بداية اللقطة :


لن نبدأ رحلتنا الأولى منذ البداية لكن ..

من نصف محطة حياة مجاهدنا سنبدأ ...



مرج الزهور منطقة جميلة في جنوب لبنان ...

في شتاء ذات يوم قارس البرد وما أدراكم ما شتاء لبنان ... وفي ظلام الليل دخلت مدرعات العدو الصهيوني

قرى آمنة في فلسطين ... إقتحمت بيوتا ... اقتلعت رجالا آمنين وشبابا أطهار من دفء بيوتهم وأخذتهم مقيدين معصوبي العيون في رحلة طويييييييييلة ..

ولم يكونوا يدروا وكيف لهم أن يدروا أن هذه الرحلة ستأخذهم إلى خارج الأرض التي يعشقون كل حبة من حبات ترابها الطاهر ...



توقفت المدرعات بعد وقت طويل ... ورحلة مضنية ... انهالت عليهم ضربا وفتحت عليهم وابل من الرصاص المطاطي ومسيلات الدموع ... تركتهم في هذا الوادي الموحش على الحدود وعادت أدراجها ...



وكانت المفاجأة ...



خيرة شباب فلسطين ... مهندسين أطباء إداريين مفكرين .... تم إبعادهم وتركهم عند الحدود اللبنانية ..!!



في مرج الزهـــــــــــــور !!



دون سابق إنذار .. دون مأوى ... أو طعام .. والأهم من كل ذلك بعيدا عن التي تعشق قلوبهم وتلوذ أرواحهم فيها .. بعيدا عن فلسطين الحبيبة .. مهجة القلب ...



لماذا ؟؟



أراد المجرم رابين أن يصحو فلا يراهم أمامه !!

أراد أن يصدق أنهم اختفوا من الوجود ليداري عجزه بعد أن سببوا له الكوابيس !





من بين هؤلاء الأبطال ..

وفي هذه الملحمة الرائعة ..

والصمود الأسطوري الباسل ..

الذي سجله التاريخ بحروف من عز وفخار ..



كان بطلنا الذي سنعيش معه الرحلة الأولى ..



بطلنا الأول ...

المربي ... المعلم ... الأستاذ ... المجاهد ... قائد لواء الطلبة ...وزعيم حماس ... العقل المفكر ...



(( جمال منصور )))



فترقبوا ماذا سيحصل له ورفاقه في مرج الزهور ..

وترقبوا الجزء الثاني ...

(0) تعليقات
(((المجاهد الأول المجهول !!)))

(((المجاهد الأول المجهول !!)))


 
لقطة قبل البدء :
أخذ زوجته وأطفاله وأقلهم إلى بيت والد زوجته ، رتب حقيبته ، ارتدى ثيابه وحذائه ، ونام تلك الليلة بهما ......!!



وفي تمام الساعة ال 12 ليلا الموافق 14-12-1992م حضر غربان الليل !!!

ولما وجدوه مرتديا ملابسه الرسمية قال له الضابط : أرى أنك جاهز؟!!



فرد عليه بطلنا : أنا جاهز منذ أيام لكنكم أنتم من تأخر .



فاقتادوه في جنح الظلام وكان في السيارات رفاق آخرون لكن إلى أين ؟؟؟ إلى أين ؟؟؟ إلى أين ؟؟؟




تابعونا لتعرفوا المزيد ...


------

(0) تعليقات
رحلة مع مجاهد

رحلة مع مجاهد


 

-----------


 






 


 

في هذا العالم المزدوج يظن البعض أن نماذج البشر المشرفة قد إندثرت .. أن الدنيا قد خلت من أولئك القوم .. قوم عباد لله اجتمعت فيهم صفات من الزمن الجميل ! ... صفات خلناها إندثرت وبادت منذ زمن وظننا أننا لن نراها مرة أخرى ولن نسمع عنها إلا من خلال قراءة سير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين .. لكن الحقيقة هي أن واقعنا


 

اليوم بخلاف هذه الصورة المعتمة ....!!




 

لا يخلو عالمنا اليوم من نجوم مضيئة ....


 

جائتنا في وسط حلكة الليل البهيم ...


 

لتنير لنا صروح العزة والمجد ...


 

وتقول لنا ... هذا طريق النصر! هذا طريق النجوم النيرة فاسلكـــــــــوه !


 

ومازالت الدنيا زاخرة بأصحاب القلوب الطاهرة ولكن ميزان التقييم هو الذي اختل ... ففي الوقت الذي يمجد فيه أشخاص تافهين ويتم تصوريهم على أنهم القدوات نرى من جانب آخر أن هناك كنوز عظيمة تزخر بها أمتنا الإسلامية يتم تجاهلها عن عمد أو عن غير ذلك !!




 

هدف هذا الموضوع ...


 

أن نتدارك خسارتنا الكبيرة الفادحة .. بأننا لم نعرف ولم نعش ولم نصحب هذه النجوم عن قرب !!




 

نحاول أن نتدارك ذلك بأن نرافقها في هذا الموضوع في رحلة ربانية إلى الله ... ونعيش معها بعض جوانب حياتها الحافلة ....




 

فتابعونا في ....




 

((( رحلة مع مجاهـــــــــــــد )))


 



 

وقبل البدء ...




 

لابد أن متابعي التغريبة الفلسطينية يتذكرون هذه الكلمات ( وهي تصف واقعنا المختل في معرفة من هم القدوات) :




 

رحل الرجل الكبير .... وتركني وراءه أتساءل عن معنى البطولة ...




 

أخيــــــــــــــرا ...




 

لم تعلن خبر وفاته الصحف والإذاعات ولم يتسابق الكتاب إلى استدعاء سيرته وذكر مآثره ...!!


 

وقريبا يموت آخر شهود المجهولين ... آخر رواد المنسيين ... أولئك الذين عرفوه جوادا بريا لم يسرج بغير الريح ....




 

فمن يحمل عبأ الذاكرة ؟!!!




 

ومن يكتب سير من لا سير لهم في بطون الكتب ؟؟!! أولئك الذين قسموا جسومهم في جسوم الناس .....






 

وخلفـــــــــــــوا آثارا عميقة تدل على غيرهم .... ولكنها لا تدل عليهم ........






 

-------- " انتهى "---------




 

تلك كانت كلمات رثاء قيلت في أبو صالح ...




 

أليس الرجال الكبار الذين يرحلون من غيره كثر ....!!؟




 

فهيا بنا نبحث عنهم ...




 

ونبدأ في السير معهم في رحلة جهادهم قدر ما نستطيع ...




 

ونتعرف على سير من تعمدت بطون الكتب أن لا تضم سيرهم وهم من يستحقون كل حبر وورق الدنيا للحديث عنهم !!






 

((( رحلة مع مجاهد )))




 

قريبا نبدأ رحلتنا الأولى...


 




 

فهل أنتم مرتحلون معنا

(2) تعليقات
أطلال المجد

إنـي تذكـرت والذكـرى مؤرقـة

مجـدا تليـدا بأيديـنـا iiأضعـنـاه

أنى اتجهـت للإسـلام فـي iiبلـد
تجده كالطيـر مكسـورا iiجناحـاه
كـم صرفتنـا يـد كنـا iiنصرفهـا
وبـات يملكنـا شـعـب iiملكـنـاه
استرشد الغرب بالماضي iiفأرشـده
ونحـن كـان لنـا مـاض iiنسينـاه
بالله سل خلف بحر الروم عن عرب
بالأمس كانوا هنا واليوم قد iiتاهـوا
وانزل دمشقا وسائل صخر iiمسجدها
عن من بناه لعـل الصخـر iiينعـاه
هذي معالم خـرص كـل iiواحـدة
قامـت خطيـبـا فـاغـرا iiفــاه
الله يعلم كم قلبـت سيرتهـم iiيومـا
وأخطـئ دمـع العيـن iiمـجـراه
يا من يرى عمـرا تكسـوه iiبردتـه
والزيت أدم لـه والكـوخ iiمـأواه
يهتز كسرى علـى كرسيـه iiفرقـا
من خوفه وملـوك الـروم تخشـاه
يا رب فابعث لنا من مثلهـم نفـرا
يشيـدون لنـا مـجـدا iiأضعـنـاه


(0) تعليقات
محمـــــــد الصغيــــــــــــر

محمد الصغير
قال: كنت يومئذ صغيراً، لا أفقه شيئاً مما كان يجري في الخفاء، ولكني كنت أجد أبي ـ رحمه الله ـ يضطرب، ويصفر لونه، كلما عدت من المدرسة، فتلوت عليه ما حفظت من " الكتاب المقدس "، وأخبرته بما تعلمت من اللغة الإسبانية، ثم يتركني ويمضي إلى غرفته التي كانت في أقصى الدار، والتي لم يكن يأذن لأحد بالدنو من بابها، فلبث فيها ساعات طويلة، لا أدري ما يصنع فيها، ثم يخرج منها محمر العينين، كأنه كان بكى بكاءً طويلاً، ويبقى أياماً ينظر إلىَّ بلهفة وحزن، ويحرك شفتيه، فعل من يهم بالكلام، فإذا وقفت مصغياً إليه ولاّني ظهره وانصرف عني من غير أن يقول شيئاً، وكنت أجد أمي تشيعني كلما ذهبت إلى المدرسة، حزينة دامعة العين، وتقبلني بشوق وحرقة، ثم لا تشبع مني، فتدعوني فتقبلني مرة ثانية، ولا تفارقني إلا باكية، فأحس نهاري كله بحرارة دموعها على خدي، فأعجب من بكائها ولا أعرف له سبباً، ثم إذا عدت من المدرسة استقبلتني بلهفة واشتياق، كأني كنت غائباً عنها عشرة أعوام، وكنت أرى والديّ يبتعدان عني،
ويتكلمان همساً بلغة غير اللغة الإسبانية، لا أعرفها ولا أفهمها، فإذا دنوت منهما قطعا الحديث، وحوّلاه، وأخذا يتكلمان بالإسبانية، فأعجب وأتألم، وأذهب أظن في نفسي الظنون، حتى أني لأحسب أني لست ابنهما، وأني لقيط جاءا به من الطريق، فيبرح بي الألم، فآوي إلى ركن في الدار منعزل، فأبكي بكاءً مراً.
وتوالت علي الآلام فأورثتني مزاجاً خاصاً، يختلف عن أمزجة الأطفال، الذين كانوا في مثل سني، فلم أكن أشاركهم في شيء من لعبهم ولهوهم، بل أعتزلهم وأذهب، فأجلس وحيداً، أضع رأسي بين كفي، واستغرق في تفكيري، أحاول أن أجد حلاً لهذه المشكلات.. حتى يجذبني الخوري من كم قميصي، لأذهب إلى الصلاة في الكنسية.
وولدت أمي مرة، فلما بشرت أبي بأنها قد جاءت بصبي جميل، لم يبتهج، ولم تلح على شفتيه ابتسامة، ولكنه قام بجر رجله حزيناً ملتاعاً، فذهب إلى الخوري، فدعاه ليعمد الطفل، وأقبل يمشي وراءه، وهو مطرق برأسه إلى الأرض، وعلى وجهه علائم الحزن المبرح، واليأس القاتل، حتى جاء به إلى الدار ودخل به على أمي.. فرأيت وجهها يشحب شحوباً هائلاً، وعينيها تشخصان، ورأيتها تدفع إليه الطفل خائفة حذرة.. ثم تغمض عينيها، فحرت في تعليل هذه المظاهر، وازددت ألماً على ألمي.
حتى إذا كان ليلة عيد الفصح، وكانت غرناطة غارقة في العصر والنور، والحمراء تتلألأ بالمشاعل والأضواء، والصلبان تومض على شرفاتها ومآذنها، دعاني أبي في جوف الليل، وأهل الدار كلهم نيام، فقادني صامتاً إلى غرفته، إلى حرمه المقدّس، فخفق قلبي خفوقاً شديداً واضطربت، لكني تماسكت وتجلدت، فلما توسط بي الغرفة أحكم إغلاق الباب، وراح يبحث عن السراج، وبقيت واقفاً في الظلام لحظات كانت أطول عليّ من أعوام، ثم أشغل سراجاً صغيراً كان هناك، فتلفتّ حولي فرأت الغرفة خالية، ليس فيها شيء مما كنت أتوقع رؤيته من العجائب، وما فيها إلا بساط وكتاب موضوع على رف، وسيف معلق بالجدار، فأجلسني على هذا البساط، ولبث صامتاً ينظر إليّ نظرات غريبة اجتمعت علي، هي، ورهبة المكان، وسكون الليل، فشعرت كأني انفصلت عن الدنيا التي تركتها وراء هذا الباب، وانتقلت إلى دنيا أخرى، لا أستطيع وصف ما أحسست به منها.. ثم أخذ أبي يدي بيديه بحنو وعطف، وقال لي بصوت خافت:


يا بني، إنك الآن في العاشرة من عمرك، وقد صرت رجلاً، وإني سأطلعك على السر الذي طالما كتمته عنك، فهل تستطيع أن تحتفظ به في صدرك، وتحبسه عن أمك وأهلك وأصحابك والناس أجمعين؟






إن إشارة منك واحدة إلى هذا السر تعرض جسم أبيك إلى عذاب الجلادين من رجال " ديوان التفتيش".

فلما سمعت اسم ديوان التفتيش ارتجفت من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي، وقد كنت صغيراً حقاً، ولكني أعرف ما هو ديوان التفتيش، وأرى ضحاياه كل يوم، وأنا غاد إلى المدرسة، ورائح منها ـ فمن رجال يصلبون أو يحرقون، ومن نساء يعلقن من شعورهن حتى يمتن، أو تبقر بطونهن، فسكتُ ولم أجب.
فقال لي أبي : مالك لا تجيب! أتستطيع أن تكتم ما سأقوله لك؟
قلت: نعم
قال: تكتمه حتى عن أمك وأقرب الناس إليك؟
قلت: نعم
قال: أقترب مني. أرهف سمعك جيداً، فإني لا أقدر أن أرفع صوتي. أخشى أن تكون للحيطان آذان، فتشي بي إلى ديوان التفتيش، فيحرقني حياً.
فاقتربت منه وقلت له:
إني مصغ يا أبت.
 
 
 
فأشار إلى الكتاب الذي كان على الرف، وقال:






أتعرف هذا الكتاب يا بني؟


قلت: لا





هذا كتاب الله.






قلت : الكتاب المقدس الذي جاء به يسوع بن الله.








فأضطرب وقال: كلا، هذا هو القرآن الذي أنزله الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، على أفضل مخلوقاته، وسيد أنبيائه، سيدنا محمد بن عبد الله النبي العربي صلى الله عليه وسلم.








ففتحت عيني من الدهشة، ولم أكد افهم شيئاً.







قال: هذا كتاب الإسلام، الإسلام الذي بعث الله به محمداً إلى الناس كافة.. فظهر هناك.. وراء البحار والبوادي.. في الصحراء البعيدة القاحلة.. في مكة في قوم بداة، مختلفين، مشركين، جاهلين، فهداهم به إلى التوحيد، وأعطاهم به الاتحاد، والقوة، والعلم والحضارة، فخرجوا يفتحون به المشرق والمغرب، حتى وصلوا إلى هذه الجزيرة، إلى إسبانيا، فعدلوا بين الناس، وأحسنوا إليهم، وأمنوهم على أرواحهم وأموالهم، ولبثوا فيها ثمانمئة سنة.. ثمانمئة سنة، جعلوها فيها أرقى وأجمل بلاد الدنيا.








نعم يا بني نحن العرب المسلمين..فلم أملك لساني من الدهشة والعجب والخوف، وصحت به:


ماذا.؟ نحن؟ .. العرب المسلمين!







قال: نعم يا بني. هذا هو السر الذي سأفضي به إليك.
 
 
 
نعم نحن. نحن أصحاب هذه البلاد، نحن بنينا هذه القصور، التي كانت لنافصارت لعدونا، نحن رفعنا هذه المآذن التي كان يرن فيها صوت المؤذن، فصار يقرع فيهاالناقوس، نحن أنشأنا هذه المساجد، التي كان يقوم فيها المسلمون صفاً بين يدي الله،وأمامهم الأئمة، يتلون في المحاريب كلام الله، فصارت كنائس يقوم فيها القسوسوالرهبان، يرتلون فيها الإنجيل.



نعم يا بني .. نحن العرب المسلمين، لنا في كل بقعة من بقاع إسبانياأثر، وتحت كل شبر منها رفات جد من أجدادنا، أو شهيد من شهدائنا. نعم .. نحن بنيناهذه المدن، نحن أنشأنا هذه الجسور، نحن مهدنا هذه الطرق، نحن شققنا هذه الترع، نحنزرعنا هذه الأشجار.




































ولكن منذ أربعين سنة.. أسامعأنت؟منذ أربعين سنة خدع الملك البائس أبو عبد الله الصغير، آخر ملوكنا فيهذه الديار، بوعود الإسبان وعهودهم، فسلمهم مفاتيح غرناطة، وأباحهم حمى أمته،ومدافن أجداده، وأخذ طريقه إلى بر المغرب، ليموت هناك وحيداً فريداً، شريداً طريداًوكانوا قد تعهدوا لنا بالحرية والعدل والاستقلال. فلما ملكوا خانوا عهودهم كلها،فأنشؤوا ديوان التفتيش، أفدخلنا في النصرانية قسراً، وأجبرنا على ترك لغتناإجباراً، وأخذ منا أولادنا، لينشئهم، على النصرانية، فذلك سر ما ترى من إستخفائنابالعبادة، وحزننا على ما نرى من أمتهان ديننا، وتكفير أولادنا.

أربعون سنة يا بني، ونحن صابرون على هذا العذاب، الذيلا تحمله جلاميد الصخر، ننتظر فرج الله، لا نيأس لأن اليأس محرم في ديننا، دينالقوة والصبر والجهاد.

هذا هو السر يا بني فاكتمه، واعلم أن حياة أبيك معلقةبشفتيك، ولست والله أخشى الموت أو أكره لقاء الله، ولكني أحبأن أبقى حياً، حتىأعلمك لغتك ودينك أنقذك من ظلام الكفر إلى نور الإيمان، فقم الآن إلى فراشك يا بني.

 
 
صرت من بعد كلما رأيت شرف الحمراء أو مآذن غرناطة،تعروني هزة عنيفة، وأحس بالشوق والحزن، والبغض والحب، يغمر فؤادي، وكثيراً ما ذهلتعن نفسي ساعات طويلة فإذا تنبهت أطوف بالحمراء وأخاطبها وأعاتبها، وأقول لها:

أيتها الحمراء .. أيتها الحبيبة الهاجرة، أنسيت بُناتك،وأصحابك الذي غذوك بأرواحهم ومهجهم، وسقوك دماءهم ودموعهم، فتجاهلت عهدهم، وأنكرتودهم؟

أنسيت الملوك الصيد، الذين كانوا يجولون في أبهائك،ويتكئون على أساطينك، ويفيضون عليك، ما شئت من المجد والجلال، والأبهة والجمال،أولئك الأعزة الكرام، الذين إن قالوا أصغت الدنيا، وإن أمروا لبى الدهر. أألفتالنواقيس بعد الأذان؟ أرضيت بعد الأئمة بالرهبان؟؟

ثم أخاف أن يسمعني بعض جواسيسالديوان، فأسرع الكرة إلى الدرة لأحفظ درس العربية، الذي كان يلقيه عليّ أبي، وكأنيأراه الآن يأمرني أن أكتب له الحرف الأعجمي، فيكتب لي حذاءه الحرف العربي، ويقوللي: هذه حروفنا. ويعلمني النطق بها ورسمها، ثم يلقي عليّ درس الدين، ويعلمني الوضوءوالصلاة لأقوم وراءه نصلي خفية في هذه الغرفة الرهيبة.

وكان الخوف من أن أزل فأفشي السر، لا يفارقه أبداً، وكانيمنحنني فيدس أمي إليّ فتسألني:

ماذا يعلمك أبوك؟

فأقول : لا شيء

فتقول: إن عندك نبأ مما يعلمك، فلا تكتمه عني.

فأقول: إنه لا يعلمني شيئاً.

حتى أتقنت العربية، وفهمت القرآن، وعرفت قواعد الدين،فعرفني بأخ له في الله، نجتمع نحن الثلاثة على عبادتنا وقرآننا.

وأشتدت بعد ذلك قسوة ديوان التفتيش،وزاد في تنكيله بالبقية الباقية من العرب، فلم يكن يمضي يوم لا نرى فيه عشرين أوثلاثين مصلوباً، أو محرقاً بالنار حياً، ولا يمضي يوم لا نسمع فيه بالمئات، يعذبونأشد العذاب وأفظعه، فتقلع أظافرهم ، وهم يرون ذلك بأعينهم، ويسقون الماء حتى تنقطعأنفاسهم، وتكوى أرجهلم وجنوبهم بالنار، وتقطع أصابعهم وتشوى وتوضع في أفواههم،ويجلدون حتى يتناثر لحمهم.

واستمر ذلك مدة طويلة، فقال لي أبي ذات يوم: إني أحس يابني كأن أجلي قد دنا وأني لأهوى الشهادة على أيدي هؤلاء، لعل الله يرزقني الجنة،فأفوز بها فوزاً عظيماً، ولم يبق لي مأرب في الدنيا بعد أن أخرجتك من ظلمة الكفر،وحملتك الأمانة الكبرى، التي كدت أهوي تحت أثقالها، فإذا أصابني أمر فأطع عمك هذاولا تخالفه في شيء.

ومرّت على ذلك أيام، وكانت ليلة سوداء من لياليالسِّرار، وإذا بعمي هذا يدعوني ويأمرني أن أذهب معه، فقد يسر الله لنا سبيل الفرارإلى عدوة المغرب بلد المسلمين فأقول له : أبي وأمي.؟

فيعنف عليّ ويشدُّني من يدي ويقول لي: ألم يأمرك أبوكبطاعتي؟

فأمضي معه صاغراً كارهاً، حتى إذا ابتعدنا عن المدينةوشملنا الظلام، قال لي:

اصبر يا بني.. فقد كتب الله لوالديكالمؤمنين السعادة على يد ديوان التفتيش.

ويخلص الغلام إلى بر المغرب ويكونمنه العالم المصنف سيدي محمد بن عبد الرفيع الأندلسي وينفع الله بهوبتصانيفه.





المصدر: كتاب " قصص من التاريخ " للشيخ علي الطنطاوي...


 
 

(0) تعليقات
آخر رسالة من الشهيد؟

آخر رسالة من الشهيد

صورة ضوئية من الرسالة

اضغط لتكبير الرسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وقائد المجاهدين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلي الأعزاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

أبعث لكم رسالتي سائلاً المولى- عزَّ وجل- أن تصلكم وأنتم في خير حال، وقد كتبتُ لكم هذه الرسالة كي أطمئنكم، و(ما دام) لم تسمعوا في الإذاعة (شيء) عني فإني بخير.

 

كم سررت عندما عرفتُ أنَّ معنوياتكم كانت عالية بعد استشهادِ الأخوين بشار وعلي؛ لأن ما (أصابهم) لا بدَّ (منه) أن يُصيبنا، والله (كتب) لهم الشهادة كي يستريحوا من عناءِ الدنيا، وأسأل الله ألا يحرمنا أجرهم، وألا يفتننا بعدهم، وأن يغفرَ لنا ولهم.

 

أبي العزيز.. أمي الحنونة.. كيف حالكم؟ لا تنسونا من دعائكم، وأن ترضوا عني وعن (إخوتي) مرعي ويونس و(أبلغوهم) سلامي الحار لهم.. وأسأل الله أن يُفرِّج عنهم وأن يفك أسرهم.

 

وأنتما يا أم البراء ويا أم راشد أيتها الصابرات المحتسبات، اصبرن واحتسبن أجركن عند الله تعالى، وأحسنَّ تربية الأولاد: براء وراشد وآلاء، وأحسنَّ معاملة أبي وأمي، ولا تتشاجرنَّ، وكُنَّ مثالاً للأخوات.

 

أهلي الأعزاء جميعًا قد تطول الفُرقة؛ فعليكم بالصبرِ والاحتساب، وأسأل الله أن أراكم قريبًا، وأنتم تعلمون صعوبة الظروف، ولن أدخر جهدًا كي أراكم.. اعذروني؛ فأنا لم أتعوَّد كتابة الرسائل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابنكم يحيى

 


المهندس
(1) تعليقات
من هو يحيى عياش؟ الجزء الأول

 
 
 

 

 
 

وُلِد الشهيد يحيى عبد اللطيف عياش ونشأ في قرية رافات بين نابلس وقلقيلية لعائلةٍ متديِّنة محافِظة، وقد رزق الله الحاج عبد اللطيف ابنه البكر يحيى في الثاني والعشرين من مارس من عام 1966م.

 

وقد كان يحيى معروفًا بذكائه الحادِّ وحفظه الدقيق، وبدأ حفظِ القرآن منذ السادسةِ من عمره، وكان الصمت والخجل والهدوء ميزاتٌ خاصة في يحيى.

وكأيِّ فلسطيني كبُر يحيى وكبُر معه الألم الذي يعتري الأحرار، كان يدرس في مدرسة القرية الابتدائية ويقف واجمًا في وسطِ الطريق يحملق في جرَّافاتِ المغتصبين التي تسوِّي أراضي القرية وتلتهمها لتوسيع المغتصبة، وقد واصل دراستَه الإعدادية والثانوية وحصل في امتحان التوجيهي على معدل 92.8% في القسم العلمي ليلتحق بجامعة بيرزيت في قسم الهندسة الكهربائية.

 

يُعتبر يحيى عياش أحد ناشطي الكتلة الإسلامية أثناء الدراسة، وبعد تخرُّجه حاول الحصول على تصريح خروج للسفر إلى الأردن لإتمام دراسته العليا ورفضت السلطات الصهيونية طلبه، وقد عقَّب على ذلك يعكوف بيرس- رئيس المخابرات آنذاك- بالقول: "لو كنا نعلم أنَّ المهندسَ سيفعل ما فعل لأعطيناه تصريحًا بالإضافةِ إلى مليون دولار"!!

 

تخرَّج في الجامعةِ عام 1991م بتفوُّق، وتزوَّج من ابنةِ عمه بتاريخ 9 سبتمبر 1992م، ورُزِق منها بطفله الأول براء في 1 يناير 1993م وكان حينها مطارَدًا، وقبل استشهاده بيومين فقط رُزِِق بابنه الثاني عبد اللطيف تيمُّنًا باسم والده، غير أنَّ العائلةَ أعادت يحيى إلى البيتِ حين أطلقت على الطفلِ عبد اللطيف اسم يحيى.


صقر الكتائب
(0) تعليقات




الرجاء طباعة ملاحظتك في النموذج التالي ثم الضغط على اللوحة في المكان الذي تريد تعليق ملاحظتك فيه.
شكل الملاحظة:
أكتب ملاحظتك:
كلمة السر: