8.03.2006

قواعد الإمبريالية

قواعد الإمبريالية أداة العدوان
مقدمة:
ربمالا توجد في عصرنا قضية أكثر أهمية وحيوية من قضية النضال في سبيل السلام والأمن الدولي. فالسلام العالمي اليوم هو أعز وأغنى ثروة، وهو حاجة ماسة لجميع البلدان والشعوب. ويرتهن بصيانة السلام العالمي مستقبل البشرية والتقدم الاجتماعي وتطور الحضارة اللاحق.وأحرزت خلال الأعوام الأخيرة نجاحات كبرى في مضمار النضال من أجل السلام وتوطيد الأمن الدولي، فقد تصاعدت عملية الانتقال من سياسة المجابهة والتوتر إلى ترسيخ نهج الانفراج وتسوية العلاقات بين الدول والشعوب وتطوير التعاون فيما بينها على نحو حثيث. ويغدو مبدأ التعايش السلمي الاتجاه الرئيسي في العلاقات بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة.
إن هذه التحولات الإيجابية في الوضع الدولي ترتبط، بالدرجة الأولى، بتغير تناسب القوى على الصعيد العالمي وداخل بلدان كثيرة، لصالح قضية السلام والديمقراطية والتحرر الوطني والاشتراكية. بيد أن هذه التحولات لا تجري تلقائياً وعفوياً، بل هي نتيجة نضال دؤب خاضته قوى سياسية واجتماعية تقدمية، وأوسع الجماهير الشعبية. وكان لابد من بذل جهود كبيرة لكي يبدأ الناس، وخاصة الذين يقودون سياسة الدول، بالاعتياد على فكرة أن القضايا المختلف عليها في الشؤون الدولية ينبغي أن تحل لا من مواقع القوة، ولا عن طريق التهديد والتحكم، بل على طاولة المباحثات والبحث عن حلول ترضي جميع الأطراف في المؤتمرات ولقاءات القمة الثنائية، وبالسبل السلمية الأخرى.
وبعض البلدان تلعب دوراً بارزاً في توطيد الأمن الدولي والسلام. وأن تطبيق برنامج النضال في سبيل السلام والتعاون الدولي ومن أجل حرية الشعوب واستقلالها، ، ليكون ذو تأثيراً إيجابياً على الوضع الدولي.
ومن ثم السياسة الخارجية المحبة للسلام التي تمارسها الدول بتأييد الشعوب ، منجزات كبرى مثل النصر التاريخي الذي أحرزه الشعب العربي ضد الاحتلال والشعب الفيتنامي في النضال ضد قوى العدوان الإمبريالية واضطرارها إلى الانسحاب من الهند الصينية وتطوير التعاون السياسي والاقتصادي في القارة الأوربية وانعقاد مؤتمر الأمن والتعاون الأوربي في هلسنكي واتخاذ خطوات هامة في مجال ترسيخ الاستقرار في أوروبا وفي المناطق الأخرى من الكرة الأرضية.
وتقدم عدد من الدول بمقترحات تدعو إلى عقد معاهدة عالمية حول عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية، وحول الحظر التام والشامل لتجارب الأسلحة النووية، و صناعة أصناف وأنواع جديدة من أسلحة الإبادة الجماعية التي يمكن أن تظهر بينها أسلحة أكثر خطرا حتى من السلاح النووي.
ولسوف يظل النضال في سبيل ترسيخ مبادئ التعايش السلمي بصورة أوسع ومن أجل السلام الوطيد وفي سبيل تقليل، ومن ثم إزالة خطر نشوب حرب عالمية جديدة،
إن ما أحرز من تقدم في مضمار الانفراج يجعل مهمة التغيير الجذري لمجمل نظام العلاقات الدولية المعاصرة مهمة واقعية. ومع ذلك فإن الانفراج لم يتوطد بعد، وما برحت ثمة عقبات جديدة تعترض الطريق المفضي إلى الأمن الراسخ والسلام العالمي. ولم تتغير طبيعة الإمبريالية، بالرغم من تضعضع مواقعها. ويجابه التطور الإيجابي في الوضع الدولي عموماً، بمقاومة أعداء الانفراج وقوى الرجعية والعسكرية التي تريد أن تعود بالعالم القهقرى، إلى أزمان "الحرب الباردة" والتأرجح على حافة الكارثة النووية. كما أن النجاحات المحرزة في مجال النضال من أجل السلام أثارت قلق الأوساط التي تبتز الأرباح من إنتاج أدوات الموت، والدوائر الساعية إلى شن "حملة صليبية" ضد اليابان الاشتراكية وضد الشيوعيين، كما أثارت قلق سائر أعداء التعايش السلمي بين الشعوب.
وما زال لدى خصوم الانفراج ونزع السلاح غير قليل من الموارد والإمكانات، خاصة وأن العديد منهم يتولون مناسب في الدوائر العليا السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها في الدول الأمبريالية، ويتنسمون مناصب وزارية وبرلمانية، ويسيطرون على أجهز الإعلام الجماهيري. وتتخذ مقاومة هذه القوى المختلفة للانفراج أشكالاً شتى، وأهمها السعي لمواصلة تصعيد سباق التسلح رغم أنه بلغ مدى لم يسبق له مثيل في عدد من البلدان الرأسمالية.
وبغية تبرير هذا النهج الذي يشكل في واقع الحال تهيئة مادية لحرب عالمية جديدة، تلجأ الأوساط الإمبريالية العدوانية وأذنابها إلى شتى الاختلافات والافتراءات. وهم يشوهون السياسة العربية ، ويتعمدون تزييف دوافع ومغزى حركات التحرر الوطني ونشاطات القوى الوطنية، ويعودون إلى عزف أسطوانتهم المهترئة الزاعمة بأنه توجد في العالم "مؤامرة إرهابية" وتدعى "تزايد الخطر الإرهابي". وتوضع على عاتق البلدان الإسلامية "مسؤولية" ما يجري من أحداث سياسية داخل دول أخرى، و"مسؤولية" الحروب الأهلية والتحررية الوطنية. ويجري تخويف رجل الشارع بـ "أنه المستهدف" ويحاولون أن يحملوه على الظن بأن بلدان معاهدة وارشو تعمل على تصعيد تسلحها بأبعاد هائلة وتستعد لشن حرب ضد الغرب وما إلى ذلك.
ومن جهة أخرى فإن النفقات العسكرية للدول الإمبريالية عامة والولايات المتحدة الأميركية خاصة تتزايد باطراد. فقد بلغت الميزانية العسكرية للولايات المتحدة الأميركية
في سنة 1977 وحدها 104 مليارات دولار.
وعند إضافة متبقيات السنة الماضية وصلت الاعتمادات العسكرية إلى 113 مليار دولار أي ما يربو على ثلث الميزانية الاتحادية برمتها.
وخلال عقد واحد (1965ـ 1975) كان نصيب وزارة الحربية الأميركية (البنتاغون) من خزانة الدولة 1060 مليار دولار،
وهذا الرقم يزيد بـ 13 مرة عما أنفقته الولايات المتحدة على قواتها المسلحة خلال السنة التي بلغت الحرب العالمية الثانية أوجها،
أي في سنة 1944 ـ 1945 المالية.
وخلال خمسة أعوام (1971ـ 1975) ازدادت النفقات العسكرية لدول أوروبا الغربية الأعضاء في حلف الناتو لأكثر من الضعف.
وخلال الفترة الممتدة بين 1949 و 1976 أنفقت البلدان الأعضاء في هذا الحلف على سباق التسلح ما يربو على 2268 مليار دولار. وتزايد كذلك النفقات العسكرية لإسرائيل. إن كل هذه الأموال الطائلة تنفق هباء في واقع الحال. حين يكون جزءاً كبيراً من البشر يعيش على شفا الموت جوعاً.
هناك خطر كبير يهدد السلام وهو يتمثل في بؤر الخطر العسكري القائمة في العالم، وفي وجود قواعد عسكرية وقوت تابعة للدول الإمبريالية في أراض أجنبية في مناطق عديدة من العالم.
إن هذه القواعد والقوات الأجنبية المرابطة فيها هي أداة للحفاظ على التسلط الإمبريالي وتعزيزه في مناطق من العالم لها أهمية سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية. وتستخدم الدول الإمبريالية هذه القواعـد والقوات ليس لغرض الدفاع والحماية ، كما تزعم الدعاية ، بل تستعملها كنقاط ارتكاز لممارسة سياسة " القوة" حيال بلدان المنظومة العربية، ولإملاء إرادتها خاصة البلدان النامية السائرة ، ولدعم الأنظمة الرجعية والعمل بمعيتها في محاربة القوى الوطنية والقومية التحررية. كما أن القوى العسكرية والتوسعية تستخدم القوات لممارسة تحرشات واعتداءات سافرة ضد بلدان أخرى، وللقيام بعمليات التخريب والتجسس والتهويش الأيديولوجي والعديد من النشاطات الأخرى ذات الطابع الإمبريالي المعادي للشعوب.
إن "استراتيجية القواعد" التي تتبعها الإمبريالية هي جزء هام من أجزاء سياستها الرجعية في الظروف الراهنة. وتطبق هذه السياسة مقترنة، على نحو وثيق، بسائر تدابير مقاومة الانفراج وتوطيد الأمن، وهي رأس حربة موجهة، في المقام الأول، ضد جميع القوى التقدمية المعاصرة، ونعني بها حركات التحرر الوطني في العالم أجمع. كما أن هذه السياسة معدة في جوهرها لمصالح الجماهير داخل البلدان الإمبريالية ذاتها، لأنها تستنزف من الشعب الكادح جزءاً كبيراً من الأموال، وترغم أبناء الشعب على إراقة دمائهم في حروب عدوانية ومغامرات استعمارية ليست البتة من مصلحة المواطنين البسطاء، وهي تزيد من صعوبة نضالهم في سبيل حقوقهم المشروعة، وضد تسلط المجموعة العسكرية الصناعية وتفشي الروح العسكرية والرجعية.
وفي الوقت الحاضر تنخرط أعداد متزايدة من أوسع الجماهير في النضال ضد النهج السياسي الرجعي للإمبريالية، ومن ضمنه "استراتيجية "مرة معك وأخرى عليك". ويتضح اليوم لأعداد متزايدة من البشر أن السلام العالمي لا يمكن أن يُكفل بالاستعدادات العسكرية وممارسة سياسة " القوة" و"الحرب ". بل إن السلام الوطيد لا يمكن بلوغه إلاّ على أساس المباحثات والثقة المتبادلة بين الشعوب والبلدان، على أساس التعايش السلمي. ويجب أن تغدو تصفية القواعد الأجنبية العسكرية المقامة فيما وراء البحار، وإن الدول المحبة للسلام تقف بثبات عند هذه المواقع،
بيد أن الأوساط الرجعية في الدول الإمبريالية، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من بلدان حلف الناتو تعزف عن هذه المقترحات التي تمليها مصلحة الانفراج الدولي.
وما زالت لهذه الدول شبكة واسعة من القواعد ورؤوس الجسور العسكرية، ولها هناك قوات كبيرة العدد، وأساطيل جوية وبحرية تستند إليها في تطبيق سياسة التوسع والعدوان، ووضع العراقيل في طريق الانفراج. كما تحظى الأوساط الرجعية الإمبريالية بدعم نافذين دوليين تدعو إلى تعزيز الوجود العسكري للولايات المتحدة والدول الإمبريالية الأخرى في أراضي الغير، وخاصة في أوروبا الغربية والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا وحوضي المحيطين الهندي والهادي. ولا تدع فرصة إلا وتنتهزها لتذكر واشنطن مراراً وتكراراً بوجود "ضرورة قصوى" للاحتفاظ بالقوات والقواعد الأميركية في أراضي الغير وفي الحدود والمرتكزات الأمامية المقامة باتجاه حدود بلدان المنظومة الاشتراكية. ويتضامن القادة الاحتكاريين تضامناً تاماً مع الرجعية الإمبريالية في الترويج لافتراءات حول "الخطر العربي" والدعم بضرورة "اتخاذ الإجراءات الفورية والحاسمة للغاية" بغية مكافحة هذا الخطر.
ما هي "الاستراتيجية ؟ وما هو الأساس الذي تقوم عليه؟ أين يكمن خطرها على قضية السلام وعلى مصالح أوسع الجماهير في مختلف البلدان والمناطق؟
القواعد العسكرية أداة للعدوان والتحكم

ليلة السابع عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1966 وبقرب مدينة لميريا الإسبانية. أقلعت طائرة تزويد بالوقود(صهريج) من قاعدة عسكرية أميركية (توريخون ديادوس)على مقربة من العاصمة الإسبانية مدريد. حيث تزوِّد بالوقود جوا قاذفة قنابل من طراز "ب 52"، الاستراتيجية التي تقوم بتحليق دوري فوق البحر الأبيض المتوسط، وهذه القاذفة على استعداد قتالي كامل لإنزال ضربة نووية، فهي تحضن أربع قنابل هيدروجينية جاهزة للقذف، طبقاً للنظام متبع في سلاح الجو الاستراتيجي الأميركي.؟
لقي شهود العيان حتفهم، عندما تحدثوا بشأن ماجرى تلك الليلة في سماء إسبانيا التي خلدت للنوم. ولم يبق من الطائرتين إلا حطام محترق. وتقارير الخبراء طرحت سيناريو (أن الطائرتين، وأثناء التزود بالوقود اصطدمتا، وتناثرتا في الفضاء، ثم تساقط حطامهما بضجيج صم الآذان. وقد سقطت كتلة الحديد الملتهبة قرب قرية صغيرة تدعى بالوماريس، وسمع صوت الدوي عن بعد كيلومترات. وبذلك تساقطت القنابل الأربع اللاتي كانت تحملها الطائرة "ب52
ولثلاثة أشهر تقريباً دأب آلاف من الجنود والفنيين الأمريكان الذين وصلوا إلى مكان الحادث، وبمساعدة من الرجال الشرطة الإسبانية،البحث عن القنابل الهيدروجينية ، أو بقاياها وطيلة الفترة سكان إسبانيا والبلدان المحيطة يغفون على الخوف ويستيقظون على الهلع، يتابعون الكارثة المروعة. ومجلة "شبيغل" زادت الطين بلل بقولها(انفجار قنبلة واحدة من الأربع لن تبقى على أي من أهالي بالوماريس أوالمنطقة المحيطة بها، بل سيهلك سكان مناطق بعيدة عنها. وبحصول الكارثة ستكون منطقة دمار مريع والإشعاع النووي سيشمل جنوب إسبانيا كله وغرب البحر المتوسط والى أراضي المغرب والجزائر، ومن يعرف عواقب ذلك على عالم الحيوانات المائية في المحيط الأطلسي).
وأخيرا تمكن رجال سلاح الهندسة العثور على بقايا ثلاث قنابل و بعد مرور أسابيع ثقيلة عثر على القنبلة الأخيرة التي سقطت في البحر على مقربة من الساحل. واتضح أنه تكونت منطقة إشعاع مستقر قرب قرية بالوماريس، الذي دفع الفلاحين إلى إتلاف محاصيلهم وأرغم الصيادين التوقف عن عملهم في المنطقة. مأساة بالوماريس التي يتحمل وزرها البنتاغون. جعل الرأي العام في الولايات المتحدة يطالب باتخاذ تدابير حازمة للحيلولة دون تكرار ذلك أو وقوع مأساة مماثلة مستقبلا. لكن المطالب أهملت ولم تجد آذاناً صاغية, وبالتالي الكارثة الجديدة، التي حدثت في منطقة تبعد آلاف الأميال عن إسبانيا، في غرينلاند.
ففي 21 كانون الثاني (يناير) 1968 أقلعت قاذفة قنابل من طراز "ب 52" من إحدى القواعد الجوية الاستراتيجية في الولايات المتحدة للقيام بدورية في اتجاه حدود الاتحاد السوفييتي (سابقا). عبر قوس كبير في سماء شمال الأطلسي. مرورا فوق لابرادور، وتقطع آلاف الكيلومترات فوق المحيط، وحين وصولها إلى قاعدة (تولي) القطبية الجوية الأمريكية في غرينلاند، أبلغ قبطان الطائرة عن حريق شب في المتن. ولم تجد محاولات طاقم الطائرة إيصالها إلى القاعدة. و إضاءة الليل القطبي في غرينلاند سببه سقوط حاملة القنابل الهيدروجينية على الجليد السميك قرب الساحل محدثة فجوة فيه سرعان ما ابتلعها مصحوبا بدوي يصم الأذان. وسمع دوي الانفجار على بعد عشرات الكيلومترات، ومحطات الرصد في تولي سجلته بدقة ، فانطلقت فرق الإنقاذ إلى مكان الحادث ساعات، وتمت عملية انتشال حطام الطائرة استغرق عدة شهور.
و بكتمان شديد أحاطت القيادة الأمريكية هذا الحادث، ورغم منع الإعلام من الوصول إلى موقع الحادث. فقد تسربت إلى الصحف معلومات عن وجود نسبة عالية من الإشعاع في منطقة تولي وخاصة في المياه. و الخطر الأكبر وجود مياه جوفية عميقة في هذه المنطقة من الساحل ، التي سنقل المواد المشعة إلى مساحات شاسعة وتعرض الصيد البحري للخطر في مناطق واسعة من المحيط.
حاولت الأوساط الرسمية والقيادة العسكرية في واشنطن تهدئة الرأي العام بأن مخاوفه مبالغ فيها، وأنه ليس هناك خطر كبير . وزعموا ان الغواصين تمكنوا من نشل كل الحطام ولم يكن هناك حمولة من القنابل الهيدروجينية
و أكد( أيبنر ميكوا ) عضو الكونغرس الأميركي أن العديد من الأمريكان فقدوا الثقة بممثلي القوات المسلحة، لأنهم متيقنون من كذب البنتاغون وهناك الكثير من الحالات المشابهة.
إن (بالوماريس) و(تولي) وعدة حوادث أخرى التي وقعت فيما بعد للطائرات الأمريكية حاملة الأسلحة النووية، و حالات تسرب المواد المشعة وتسمم المياه والتربة أثناء دخول الغواصات والبواخر الأمريكية الموانئ الأجنبية والقواعد البحرية على أراضي الغير، وغير ذلك من الحوادث الخطرة المشابهة، شدت انتباه الرأي العام العالمي إلى مدى الخطر الذي يهدد أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب وجود شبكة من القوات العسكرية الأميركية في عدد من بلدان هذه القارات. والخطر لم يقتصر على السكان بل يهدد الملايين من السكان في شتى مناطق العالم. فخطر هذه الحوادث أكبر من حدوث انفجار مهما كانت قوته التدميرية ، فهو يؤدي إلى عواقب وخيمة تؤثر مباشرة على سكان مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن موقع الانفجار،. هذا مجرد جانب واحد من جوانب تأثير شبكة القواعد الإمبريالية على الوضع الدولي.
أداة تعزيز وتوسيع مواقع الإمبريالية، وهي مصدر خطر مباشر على قضية السلام والأمن والتعاون الدولي. والتأثير الكبير على العلاقات بين الدول وعلى آفاق الانفراج وتحسين العلاقات بين البلدان والشعوب.ومن أهم عناصر الهيمنة للمذهب العسكري للولايات المتحدة وبلدان حلف الناتو يتمثل في ممارسة سياسة قوامها إنشاء القواعد والمرتكزات العسكرية في أراضي الغير وإبقائها في حالة تأهب قتالي مستمر، وإبقاء وحدات عسكرية مجهزة بشبكة متطورة ترتبط بمراكز الاتصالات ونقاط التجسس وإدارة القوات والتموين في أراضي الغير وخاصة قرب حدود الدول التي تريد سلبها واحتلالها ونهب خيراتها.
إن المذهب العسكري الأميركي هو وليد وإيديولوجيات رجعية وسياسية توسعية والرأسمال الاحتكاري. وعلى امتداد تاريخها المذهب يهدف إلى ضمان مطامعها العدوانية، وأبشع صوره تجلت بعد الحرب العالمية الثانية حينما أخذت تتبع في سياستها الخارجية نهجاً للسيطرة على العالم.
و أصبحت الولايات المتحدة التي تمتلك تفوقاً ساحقاً في الميدان الاقتصادي، و المجال العسكري، أصبحت تتزعم منظومة أحلاف عسكرية سياسية عدوانية هي أنشأتها، وتعتبر ان (القوة العسكرية ) لحل القضايا الدولية أنجع دواء، ففي بداية الخمسينات صاغت مذهب عسكري خلاصته " الانتقام النووي " التي نودي بها رسمياً آنذاك. وتنص على شن حرب نووية شاملة ضد البلدان التي ترفض الإذعان لأوامرها والقواعد عسكرية معدة في عدد من المناطق للضرب بقسوة. وكان الهدف النهائي بالاعتماد على القوة النووية، تصفية المنظومات الاشتراكية العالمية وقمع حركات التحرر الوطني وإعادة بسط الهيمنة على العالم كله. وكانت الاستراتيجية الأميركية المغامرة ترتكز على ثقتهم فيما وراء المحيط بأنها سوف تتمكن من الاحتفاظ لأمد طويل باحتكارها للسلاح النووي، وعلى التهديد باستخدامه أو استخدامه فعلاً، لإرغام جميع البلدان والشعوب على الانصياع لإرادة الولايات المتحدة الأميركية.ولها تأثيراً على حلفائها في حلف الناتو، الساعون أبدا لجهوزية سريعة لتحضيرات عسكرية تتجاوب مع مصالح البنتاغون.
نجاحات (الاتحاد السوفييتي) في مضمار غزو الفضاء واستخدام الطاقة النووية وصناعة الصواريخ وتنامي اقتصاده وتوطيد قدرتها الدفاعية، فقدت الولايات المتحدة احتكار السلاح النووي، إن هذين العوامل جعلت القيادة العسكرية السياسية الأميركية ففي نهاية الخمسينات أعادت النظر في مذهبها العسكري ليكون متناسب مع وضع دولي متغير وتناسب قوى فعلية في العالم.
ونتيجة ذلك كان قرار الولايات المتحدة في أواخر /1961 /استراتيجية مفادها" المرونة". في ردود الأفعال ولعلها استراتيجية عدوانية موجهة، فكانت ، شأن سابقتها، ترتكز على "مواقع القوة" بالرغم من وجود توازن سوفييتي أمريكي في الوسائل العسكرية الاستراتيجية.وأفرد الموقع الرئيسي في الاستراتيجية الجديدة للحرب النووية الشاملة ولمتطلبات التحضير لها سواء من قبل الولايات المتحدة وقواتها المسلحة أو من قبل بلدان حلف الناتو وسائر الأحلاف العدوانية الإمبريالية. ولكن هذه الحرب لم تعد تعتبر الوسيلة الوحيد لبلوغ أهداف السياسة الخارجية للإمبريالية الأميركية. وطرحت مبررات للإستعداد المكثف لشن حروب على حركات التحرر الوطني. وفي هذه الاستراتيجية ًإقامة قواعد لقوات أميركية في أراضي الغير وللأساطيل البحرية الحربية النائية، في مياه الغير. وأولت اهتمام خاص لبناء قواعد ومواقع صاروخية في البلدان المتاخمة لحدود منظومات اشتراكية. ولإقامة شبكة من نقاط التجسس في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا ومنطقة الشرق الأقصى. وبشكل دوري و على نطاق واسع كانت هناك طائرات استراتيجية أميركية تحمل قنابل نووية قرب حدود الاتحاد السوفييتي، ودوريات في مياه أجنبية تقوم بها غواصات نووية حاملات لصواريخ أميركية ترابط في البحر الأبيض المتوسط وشرقي المحيط الأطلسي وغربي المحيط الهادي.
وفي أواخر الستينات جرت مجدداً مراجعة للمذهب العسكري الأميركي، وكان النزوع الأول هو استمرار تفاقم الأزمة العامة للرأسمالية. والمساعي الإمبريالية لم تفلح في استخدام العدوان وأعمال التخريب لتغيير القوى في العالم لصالحها. وقد أخفت مخططاتها في الهند الصينية، وتبين عدم منفعة سياسة "الحرب الباردة".
وقد تجسد سعي الولايات المتحدة لتعديل مذهبها العسكري لمراعاة متغيرات القوى العالمية، وتجسدت القرارات فيما يسمى “الردع العقلاني" التي نودي بها رسمياً عام 1971. وأصبحت استراتيجية المذهب العسكري وهي تمارس تأثيراً كبيراً على سياسة جميع بلدان الناتو وعملية البناء العسكري فيها.
وتقوم هذه الإستراتيجية "الردع العقلاني" على ثلاثة مبادئ هي:
1- التفوق الاستراتيجي للقوات
2- التحالف والإسهام العسكري لحلفاء الولايات المتحدة
3- التفاوض استناداً إلى القوة.
ومن تلك البنود نجد الهدف ترسيخ الدور القيادي للولايات المتحدة في الأحلاف العسكرية واستخدام موارد الحلفاء المادية والعسكرية والبشرية على نحو متكامل في التحضيرات العسكرية
يعار اهتمام كبير لسياسة الأحلاف، ولتعزيز الناتو خاصة، تتخذ محاولات لتشكيل أحلاف متعددة مؤقتة أيضا عدوانية لبسط الهيمنة على العالم وفي المعاداة السافر لأعداء الولايات.
إن استراتيجية "الردع العقلاني"، شأن سائر المذاهب الاستراتيجية الرسمية السابقة، تنص على الاحتفاظ بـ "الوجود العسكري الشامل" للولايات المتحدة ومواصلة تطوير مرتكزاتها العدوانية وخاصة في أوروبا الغربية والشرق الأوسط وآسيا، وتعزيز القواعد العسكرية القائمة وإقامة قواعد جديدة، وخاصة في مناطق مثل المحيط الهندي وجنوب آسيا وغيرها.
ولذا فقط رافق إقرار الاستراتيجية الجديدة إحداث زيادة في الاعتمادات الأميركية المخصصة لشبكة قواعدها فيما وراء البحار والشروع ببناء جملة من المشاريع الجديدة في أراضي الغير وتحديث غالبية القواعد العسكرية المقامة في الخارج سابقاً. ويدل ذلك كله على النوايا الاستراتيجية للإمبريالية لم تتغير، وإن الإمبرياليين ما زالوا في الظروف المستجدة يفردون للقوة المسلحة الدور الرئيسي في تحقيق أهداف سياستهم الخارجية.عند إلقاء نظرة تاريخية على "استراتيجية القواعد" الإمبريالية نجد أن جذورها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الاستعمارية للإمبريالية. وكانت هذه الاستراتيجية،في واقع الحال، نابعة من سياسة الاغتصاب الاستعماري ومازالت اليوم وليدها المسخ إسرائيل .و المستعمرون عند اغتصابهم أراضي الغير واحتلالها يسعون إلى ترسيخ أقدامهم هناك لأمد طويل. وتحقيقاً لهذا الغرض وبحجة الدفاع عن "مصالحهم المشروعة" يقيمون في قطاعات مختلفة من الأراضي المحتلة نقاط ارتكاز وحصوناً وقلاعاً وأرصفة وموانئ مجهزة لسفنهم العسكرية ومستودعات الذخائر و للوقود. و ترابط في هذه المواقع وحدات عسكرية كبيرة من قوات الاحتلال مهمتها الدفاع عن الحصون والقواعد، وقمع تحركات الجماهير ، وتنظيم حملات تنكيلية ضد "العصاة المحليين" واغتصاب المزيد من الأراضي بقوة النار والسلاح. آسيا و سائر القارات، المستعمرون "يطلعون" الشعوب على "حضارة" الغرب بقوة المدافع والحراب والسياط.وعقب ذلك لم تكف الدول الغربية عن استخدام القواعد العسكرية على نطاق واسع للحفاظ على قوتها و هيمنتها في المستعمرات والبلدان التابعة ولصيانة خطوط المواصلات بين الدول الاستعمارية ومستعمراتها والممتدة لآلاف الكيلومترات، و المنافسة في الاغتصاب وتوسيع دائرة النفوذ

مابعد الحرب

الحرب العالمية الثانية كانت فيصلا لـ "نهج القواعد" على زخم جديد لتطورها. فإن الأوساط الحاكمة في الولايات المتحدة وطغمتها العسكرية الرجعية، سعياً منها لضمان تحقيق مطامع الاحتكارات الأمريكية في السيطرة على العالم، واصلت سياسة توسيع شبكة القواعد العدوانية الشاملة. وكان الهدف من وراء ذلك هو قيام القوات المسلحة الأمريكية بعمليات عسكرية ضد الدول المحبة للسلام حيثما كانت. وأصبحت هذه الشبكة، علاوة على قواعد الدول الإمبريالية الأخرى التي انضمت إلى مختلف الأحلاف العسكرية العدوانية وعقدت اتفاقيات ثنائية مع واشنطن، أصبحت تحيط بالقارات والمحيطات كنسيج العنكبوت. وقد حولت مناطق شاسعة تضم أراضي دول عديدة إلى مرتكزات عسكرية للإمبريالية الأمريكية، ونذكر منها مثلاً وسط أوروبا الغربية وحوض البحر الأبيض المتوسط وجنوب شرقي آسيا وغيرها.
وفي تلك الآونة حاول البروفيسور الأمريكي كيفير المختص في السياسة الطبيعية التنبؤ بالنزاعات العسكرية المقبلة وزعم أن ساحة الحرب المقبلة ستكون العالم كله. ومضى يقول أن مهمة أمريكا في هذه الحالة هي أن تضمن لنفسها أكبر قدر ممكن من المرتكزات الاستراتيجية وإعداد قواتها بحيث تكون قادرة على الاحتفاظ بهذه الأراضي. وكان على هذا الرأي العديد من استراتيجيي البنتاغون الذين اعتبروا أن شبكة القواعد والمرتكزات المقامة فيهما وراء البحار تمنحهم، بشكل يكاد يكون آلياً، إمكانية التأثير باستمرار ودون عقبات على أنأى المناطق عن أمريكا وضمان مصالح الولايات المتحدة في أية "بقعة ملتهبة" في العالم.
ولا يخفى المخططون الأمريكان حالياً أن "استراتيجية القواعد" مثلها مثل مجمل استراتيجية "الردع العقلاني" كان موجهة في المقام الأول ضد الاتحاد السوفييتي السابق وسائر البلدان الاشتراكية وضد القوى الديمقراطية وحركة التحرر الوطني في العالم أجمع. وفي ذات الوقت فإن هذه الاستراتيجية تهدف أيضاً إلى مواصلة الضغط على حلفاء أمريكا الأصغر والبلدان والأنظمة التابعة لها, والاستمرار في إتباع سياسة الاستعمار الجديد وممارسة التوسع الاقتصادي ضد الشعوب والبلدان الأخرى.
وثمة أمر آخر على قدر كبير من الأهمية. فإن القوى الرجعية الأمريكية والتجمع العسكري الصناعي، عندما تعمد إلى إقامة القواعد والقوات خارج الولايات المتحدة. بل وخارج القارة الأمريكية أساساً، فإنها تأمل أن تدرأ عن أمريكا في حالة الحرب جزءاً من الضربة المضادة التي تنزلها البلدان المتعرضة للهجوم وإلقاء جزء كبير من أعباء التضحيات والدمار على عاتق حلفاء الولايات المتحدة الذين تتواجد القواعد الأمريكية في أراضيهم وجرهم إلى المشاركة في الحرب تلقائياً.
ما هي شبكة القواعد والمرتكزات الإمبريالية المقامة في أراضي الغير حالياً؟
تشكل أساس هذه الشبكة الواسعة قواعد الجيش والطيران والبحرية الأمريكية. وتمتلك وزارة الحربية الأمريكية (البنتاغون) زهاء ألفي منشأة عسكرية في أكثر من ثلاثين بلداً، علما بأن 340 من هذه المواقع تعتبر، طبقاً لمواصفات البنتاغون، قواعد أساسية أو ضخمة. ويرابط بشكل دائم في هذه القواعد زهاء ربع منتسبي القوات المسلحة الأمريكية، أي قرابة 500 ألف جندي وبحرا وضابط. توجد هناك خمس من الفرق النظامية الثلاث عشرة للجيش الأمريكي وحوالي 1500 من طائرات سلاح الطيران . ويوجد في المياه الأجنبية والموانئ والقواعد البحرية المقامة على أراضي الغير اثنان من أساطيل العمليات وعدد من التشكيلات وما يربو على 250 من سفن القتال والمساندة التابعة للأسطول الحربي الأمريكي ووحدات من مشاة البحرية الأمريكان
وتعتبر بلدان أوروبا الغربية وحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا وكذلك منطقة البحر الكاريبي أكبر مناطق تمركز القواعد الأمريكية فيما وراء البحار.
وقد أقامت الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وبعدها أوسع شبكات قواعدها ومرتكزاتها في أوروبا الغربية وحوض البحر الأبيض المتوسط. فعلى أراضي ألمانيا الغربية وحدها يربو عدد المنشآت العسكرية الأمريكية على المائتين. ويتمثل أساس هذا التركيب القواعدي للبنتاغون بأوروبا في المنشآت العسكرية الاستراتيجية التي توجد، علاوة على ألمانيا الغربية، في بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وتركيا وإيسلنده وبلجيكا وهولندا والدنمرك وبلدان أخرى.
وللبنتاغون أكثر من خمسين قاعدة عسكرية كبيرة ومئات من المنشآت الأخرى في اليابان, ومن بينها القواعد الموجودة في أوركيناوا. وتوجد عشرات من القواعد الأمريكية الضخمة في كوريا الجنوبية وتايوان (فرموزة) والفلبين وتايلاند واستراليا،وفي العديد من الجزر الواقعة في الجزء الغربي من المحيط الهادي وفي المحيط الهندي.
لدى الطغمة العسكرية الأمريكية عدد كبير من القواعد والمنشآت العسكرية الأخرى في نصف الكرة الغربي. وندرج ضمن هذا العدد أهم منطقة لتمركز القواعد الأمريكية كمنطقة قناة بنما والقواعد العديدة في البحر الكاريبي ومختلف المنشآت العسكرية في جزر برمودا وباهاما وغيرها وشبكة القواعد الهامة في كندا وخاصة في الشمال الغربي منها.
وتقول مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبوت" أن عدد منتسبي القوات المسلحة الأمريكية المرابطين في هذه المناطق هو كالآتي: أكثر من 300 ألف شخص في أوروبا الغربية و 155 ألف في غربي المحيط الهادي والشرق الأقصى و 15 ألفاً من بلدان أمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي وزهاء عشرين ألفاً في مناطق أخرى
*.
من المعروف أن البنتاغون قام في السنوات الأخيرة بإحداث بعض التخفيض في تعداد قواته في الخارج (الأمر الذي تطبل وتزمر له الدعاية الغربية عموماً والأمريكية خاصة). ففي أواخر عام 1973 وبعد إجراء التخفيض ربا تعداد هذه القوات على مليون شخص. وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا برهان أكيد على إعادة النظر في دور وأهمية "استراتيجية القواعد". ولكن القضية في الواقع بسيطة للغاية، إذا أن التخفيض المذكور جرى، بالدرجة الأولى، نتيجة انسحاب القوات المسلحة الأمريكية في فيتنام الجنوبية (عام 1972 كان عدد الجنود والضباط الأمريكان هناك يقرب من 173 ألفاً، وقبل هذا التاريخ زاد تعداد جيش الغزو الأمريكي في الهند الصينية على 500 ألف). كما جرى بعض التخفيض بفضل اعتماد ما يسمى بـ "نظام التدوير" بأن تكون القطعات القتالية والتشكيلات الكاملة المخصصة للقيام بدور النسق الأول في العمليات العسكرية على مسارح وراء البحار (في أوروبا الغربية مثلاً أو في الشرق الأقصى). أن تكون لها قاعدتان، حيث يرابط جزء من منتسبيها (لواء واحد في الغالب) في المواقع المتقدمة بشكل دائم، وتتواجد هناك أيضاً مجموعة كاملة من الأسلحة ومعدات القتال الثقيلة المخصصة للتشكيلة بأكملها، أما الأولوية والكتائب المتبقية فهي ترابط في الولايات المتحدة وتكون على كامل الاستعداد للانتقال جواً على الفور إلى "المنطقة المخصصة" لها عند ظهور خطر يهدد مصالح الإمبريالية.
وثمة جانب آخر ليس قليل الأهمية أدى إلى إجراء نوع من التخفيض في تعداد القوات الأمريكية في أراضي الغير. ونعني بذلك جعل الخدمة العسكرية مقتصرة على المحترفين فقط منذ صيف عام 1973. إن وجود جيش وأسطول قوامهما الجنود والبحارة والعرفاء العاملون وفق عقود طويلة الأمد يؤدي. بطبيعة الحال، إلى نوع من التخفيض في تعداد القوات المسلحة ويقلل الحادة السنوية إلى المجندين الجدد، ويتيح إمكانية حل مهمات الحفاظ على المستوى المطلوب في مجال إعداد منتسبي القوات المسلحة مع إنفاق وقت أقل لتعليمهم في المراكز التدريبية وقواعد التهيئة الأولية ومراكز التجنيد.. الخ.. وبعبارة أخرى فإن هذا النظام يمكن القيادة من تحقيق مستوى مقارب للمستوى السابق في الاستعداد القتالي لقواتها المسلحة بحجم أصغر من القوات العامة. ويجدر بالذكر أن هذا الوضع أتاح للبنتاغون الإمكانية في الأعوام الأخيرة لكي يسحب من أوروبا الغربية والشرق الأقصى وغيرهما من مناطق مرابطة لقوات الأمريكية في الخارج جزءاً من القطعات التدريبية ومراكز إعداد القوات الأمريكية في الخارج جزءاً من القطعات التدريبية ومراكز إعداد القوات وبعض قطعات المؤخرة والاسناد وغيرها، وهذا أثر بدوره على التعداد الإجمالي للقوات الأمريكية في الدول الأجنبية.
ومع إجراء هذه العمليات فإن البنتاغون لم يخفض قواته في بعض المناطق بل زاد من تعدادها. فقد ازداد خاصة تعداد التشكيلات القتالية الأمريكية بألمانيا الغربية، حيث ذكرت مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أنه ورلد ريبورت" أن البنتاغون نقل إليها عامي 1975ـ 1976 لواء معززاً، ثم لواء أخر قوامهما الإجمالي 11 ألف جندي وضابط. وخلال الأعوام الأخيرة لم يتم إغلاق أي من القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة في الخارج، أو أي من المنشآت العسكرية الاستراتيجية (يستثنى من ذلك بطبيعة الحال. المنشآت التي أرغم الأمريكان على الجلاء عنها بسبب تغير النهج السياسي لبعض البلدان ونضالات الجماهير ضد الإمبريالية). والأنكى من ذلك أن البنتاغون أنشأ خلال الآونة الأخيرة جملة من القواعد العسكرية الكبرى في أراضي الغير وخاصة في حوض المحيطين الهندي والهادي وفي الشرق الأوسط.
وهكذا نرى أن مزاعم بعض القادة السياسيين والعسكريين الأمريكان وعدد من أبواق الدعاية الغربية حول "المبادرات السلمية" للولايات المتحدة في مضمار "استراتيجية القواعد" إنما هي ادعاءات لا أساس لها من الصحة. بل إن حملة تشن في الكونغرس الأمريكي وعلى صفحات الجرائد وموجات الأثير تدعو إلى توسيع القواعد العسكرية القائمة وبناء أخرى "في أقرب فرصة" وإعادة بناء بعض المنشآت التي جمدت مؤقتاً، وإرسال المزيد من عمارات السفن الحربية وأسراب الطائرات والقوات البرية إلى عدد من المناطق. ولتبرير ذلك تطلق أكاذيب تزعم بوجود "ضرورة قصوى" لإبداء "مقاومة حازمة" لما يزعم بأنه "تصعيد خطر" للقدرة العسكرية السوفييتية في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي وغربي المحيط الهادي وفي أفريقيا والبحر الكاريبي ومناطق أخرى. ففي الولايات المتحدة تناقش بإصرار متزايد مسألة إنشاء تشكيلة بحرية أمريكية عاملة باستمرار في المحيط الهندي "على غرار الأسطول السادس في البحر الأبيض المتوسط" ويراد لهذه التشكيلة أن ترابط في القواعد الأمريكية الموجودة فعلاً، أو التي يجري إنشاؤها في الخليج العربي وقاعدة في جزيرة دييغو ـ غارسيا.
إن هذه الإجراءات، شأن "استراتيجية القواعد" الإمبريالية عامة، تطلب مبالغ طائلة. وقد أشار تصريح أدلى به سايمنغتون في لجنة شؤون القوات المسلحة بمجلس الشيوخ إلى أن المبالغ التي أنفقتها وزارة الحربية خلال السنوات العشر الأخيرة على القواعد المقامة ولتحديثها أو لإنشاء قواعد جديدة، وعلى إعالة وإعداد القوات الأمريكية وقوات الأسطول في الخارج، كانت تصل سنوياً إلى زهاء 30 مليار دولار منها أكثر من 17 مليار تنفق على القواعد والقوات الأمريكية المتواجدة في البلدان الأوربية الأعضاء في حلف النانو.
وعلاوة على ذلك فإن مبالغ ضخمة تنفق لهذه الأغراض عن طريق مجلس الناتو والقوات المسلحة الموحدة لهذا الحلف، وكذلك مباشرة من ميزانيات البلدان الأعضاء في الناتو وغيره من الأحلاف العدوانية.
إن هذه النفقات الطائلة تشكل عبئاً ثقيلاً للغاية يرهق كاهل الناس البسطاء ليس في الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وبريطانيا وغيرها من الدول الإمبريالية فحسب بل، وفي البلدان التابعة لها. وتؤدي إلى تدهور الأوضاع المادية للسكان وتقليص الاعتمادات المخصصة للاحتياجات المدنية والبرامج الاجتماعية والصحة والتعليم.
إن العديد من القواعد هي حاميات عسكرية كبرى ذات منشآت معقدة ومناطق واسعة محظورة في أراضي الغير. ووجود هذه القواعد يشكل انتقاصاً للسيادة الوطنية، مما يثير استياء مشروعاً لدى السكان. زد على ذلك أن الأراضي التي تخصص للقواعد غالباً ما تكن من خيرة الأراضي الخصبة الصالحة للزارعة. فعلى سبيل المثال تحتل قاعدة كلارك ـ فيلد العسكرية الأمريكية في الفليبين مساحة تساوي مساحة واحدة من أكبر مدن العالم، وهي لندن، وهي مقامة على أخصب الأراضي في جزيرة لوسون. وقد صودرت من الفلاحين قطع كبيرة من الأراضي لتقام عليها القواعد العسكرية الأمريكية في أضنة بتركيا وتوريخون في إسبانيا وميسافا ويوكوتا وغيرهما باليابان. وثمة وضع مماثل في البلدان الأخرى التي توجد على أراضيها مرتكزات عسكرية للبنتاغون، وذلك بالرغم من حاجة هذه البلدان الماسة إلى الأراضي، وبالرغم من أن فلاحي هذه البلدان مضطرون إلى خوض كفاح مرير مع الطبيعة، وهم يكدون آناء الليل وأطراف النهار للحصول على لقمة العيش.
وعلاوة على الولايات المتحدة التي تحدثنا عن قواعدها العسكرية فإن أقرانها في الأحلاف العسكرية العدوانية، أي بريطانيا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا وسائر الدول الإمبريالية. يشاركون بنشاط في السياسة الرجعية الاستعمارية الجديدة.
وكما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة فإن لغالبية الدول المذكورة جيوشاً جرارة (يصل التعداد الإجمالي لجيوش بلدان حلف الناتو إلى زهاء خمسة ملايين شخص)، وهي تنفق جزءاً كبيراً من ميزانياتها للاستعدادت العسكرية، ولها قواعد وقوات في أراضي الغير. وبالرغم من أن هذه القواعد لا تضاهي قواعد البنتاغون من حيث العدد فإنها تشكل أيضاً مصدر خطر عسكري يهدد قضية السلام، خاصة وإن الاستعدادات العسكرية للدول الأمبريالية تجري. إلى حد كبير، وفق خطط منسقة وتكون في الغالب تحت القيادة المباشرة للأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية.
إن انجلترا،وهي من أقدم الدول الاستعمارية في العالم، قد كونت بواسطة الغزوات والحروب اللصوصية إمبراطورية استعمارية مترامية الأطراف، وظلت طوال قرون عديدة تنهب ثروات شعوب العشرات من البلدان في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى. وقد كانت الأداة الأولى التي استخدمتها انجلترا لبسط نفوذها تتمثل في القوة العسكرية وممارسة أبشع أنواع القمع ضد الشعوب والبلدان الأخرى. وأنشأت الامبراطورية البريطانية، خلال فترة تسلطها الاستعماري، العديد من القواعد العسكرية والمرتكزات ونقاط الاتصال ومراكز التموين، وكانت لها قدرات وأساطيل في مختلف بقاع العالم.
وكان أساس الجبروت البريطاني فيما وراء البحار متمثلاً في قواعد كبرى مثل هونع كونغ وسنغافورة بآسيا وسايمنستاون في جنوب أفريقيا وترينكومالي في المحيط الهندي وجبل طارق ومالطا وفاماغوستا في البحر الأبيض المتوسط وكينغستون في حوض البحر الكاريبي وكثر غيرها. وحاولت الإمبريالية البريطانية عن طريق إقامة هذه القواعد وحشد قوات غفيرة فيها أن تملي إرادتها على مناطق العالم بأكملها.
إن انهيار الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية بفعل النهوض الجبار لحركة التحرر الوطني في المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية والسنوات التي أعقبتها، وبعد أن ألحقت قوات التحالف المعادي للهتلرية هزيمة نكراء بالفاشية الألمانية والعسكرية اليابانية، أدى إلى تقويض قدرات الرأسمال الاحتكاري البريطاني. وفقدت بريطانيا عدداً من أهم الأسواق ومصادر الخامات الاستراتيجية والمرتكزات والقواعد العسكرية.
بيد أن بريطانيا ما برحت تحتفظ بعدد من قواعدها الجوية والبحرية ومنشآت أخر في مالطا وقبرص وجمهورية جنوب أفريقيا وسنغافورة، ولها قلعة هامة في البحر الأبيض المتوسط هي جبل طارق، علاوة على تسلطها على قواعد عسكرية في جامايكا وعدد من الممتلكات الاستعمارية في أمريكا اللاتينية. وتولى الدوائر العسكرية البريطانية اهتماماً كبيراً لتعزيز مواقعها العسكرية في الخليج العربي، حيث انشئت ووسعت قواعد الشارجه ومسقط ويجري التحضير لإقامة منشآت عسكرية جديدة. وتستمر عملية البناء العسكري في جزر المحيط الهندي وخاصة في جزر سيشيل وكوكس ومصيره والدبرة.ويشترك البريطانيون مع البنتاغون في بناء قاعدة دييغو ـ غارسيا. وترابط في غالبية القواعد البريطانية قطعات ضخمة من القوات المسلحة وبينها وحدات مشاة البحرية والوحدات الخاصة المعدة للقيام بعمليات تنكيلية ولمحاربة قوى التحرر الوطني والحركات الوطنية.
وما زالت فرنسا أيضاً تحتفظ بجزء من قواعدها العسكرية في أراضي الغير. وللقوات الفرنسية عدد من المنشآت في أراضي جمهورية ملغاشيا وجزيرة ريونيون في المحيط الهندي وفي عفار وعيسى (جمهورية جيبوتي حالياً) وفي شرقي أفريقيا وحوض البحر الكاريبي ومناطق أخرى.
وخلال السنوات الأخيرة عمدت أوساط معينة في ألمانيا الغربية وقيادتها العسكرية إلى زيادة نشاطاتها في هذا المجال بشكل ملحوظ. ومنذ أكثر من عشر سنوات تشترك الأوساط العسكرية الألمانية الغربية في استخدام قواعد عسكرية في كندا وبريطانيا وجزيرة صقلية الإيطالية وفي جزيرة كريت. وتبحث هذه الأوساط بإصرار عن فرص للتغلغل في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا. وتستخدم لتحقيق هذه المآرب الأسلحة والمعدات العسكرية التي تستوردها بعض البلدان النامية من ألمانيا الغربية، وإيفاد مستشارين ومدربين من القوات المسلحة الألمانية الغربية لتدريب جيوش بلدان أخرى، وغير ذلك من أشكال التغلغل.
إن قادة بكين يجدون اليوم تفاهماً متبادلاً متعاظماً مع غلاة الأوساط الرجعية الإمبريالية في مجال تنفيذ "استراتيجية القواعد"، كما في العديد من القضايا الأخرى. ولا يقتصر الزعماء الصينيون على تأييد هذه السياسة الإمبريالية وبذل جهود كبيرة لوضع العراقيل أمام حركة التحرر الوطني وجميع الشعوب المحبة للسلام في نضالها ضد السياسة الإمبريالية التي تتبعها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بل أنهم يسعون على نطاق متزايد لضمان مواقعهم العسكرية في أراضي الغير ببلدان أجنبية. ومن الشواهد على ذلك ما قامت به زعامة بكين أثناء النزاع الهندي الباكستاني في كانون الأول (ديسمبر) 1971، ودعمها للزمر المعادية للثورة ومختلف القبائل المتمردة في عدد من بلدان جنوب شرقي آسيا. ومن الأمثلة البليغة في هذا المضمار ما قامت به بكين شتاء 1975ـ 1976 في أنغولا، حيث دعما عسكرياً مباشراً للتكتيلات الإنشقاقية الموالية للإمبريالية وزودتها بكميات ضخمة من الأسلحة، وأوفدت إلى هناك أعداداً كبيرة من العسكريين تحت ستار العمل كمستشارين وخبراء في تقديم المساعدة العسكرية. وقد تمت هذه العمليات كلها باتصال وثيق مع الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين حاولتا بكل ثمن إعاقة شعب أنغولا عن سلوك سبيل الاستقلال والسيادة الحقيقي.
إن سياسة التوسع الإمبريالية و"استراتيجية القواعد" المسخرة لخدمتها تمارسان تأثيراً وخيم العواقب على اقتصاديات البلدان التي تتخذ مسرحاً لهذه الاستراتيجية. فإن وجود القوات والقواعد العسكرية في أراضي الغير يتيح للإمبرياليين الفرصة لكي يمارسوا بطمأنينة استغلال البلدان التابعة ونهب ثرواتها الطبيعية وتقويض اقتصادها. وقد كتبت مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبورت" الأمريكية بهذا الصدد تقول إن لوجود القواعد الأمريكية في بلدان أخرى مردوداً لا يقتصر على الجانبين الاستراتيجي والسياسي بل أنه يعطي ثماراً اقتصادية كبيرة وهذا، على حد تعبير المجلة، أمر عظيم الأهمية في ظروف المتاعب وعدم الاستقرار القائمة حالياً. وحينما يحاول سكان البلدان التي توجد على أراضيها قوات وقواعد أجنبية حماية حقوقهم والذود عن سيادة بلدهن فإن الطغمة العسكرية الأجنبية لا تتورع عن اللجوء إلى السلاح لقمع المظاهرات والاجتماعات ولمحاربة المضربين، وإذا لم يجد ذلك نفعاً فإنها تعمد إلى نقل إمدادات من القوات وممارسة الغزو والاحتلال.
هكذا كان الحال خريف عام 1956 حينما شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل العدوان الثلاثي على مصر رداً على القرار المشروع الذي اتخذته الحكومة المصرية بتأميم قناة السويس. وصيف عام 1958 قامت الولايات المتحدة الأمريكية، بالتواطؤ مع بريطانيا، بغزو مسلح في لبنان والأردن، نظراً لأن النشاطات المناهضة للإمبريالية في هذه المنطقة أخذت تهدد مصالح الاحتكارات الأمريكية والبريطانية. وهكذا بالضبط تطورت الأحداث في غيانا البريطانية (غايانا حالياً) عام 1964 وفي جمهورية الدومنيك عام 1965 وفي بلدان أخرى. ولكن سياسة استخدام القواعد والقوات الأجنبية لقمع القوى الديمقراطية والتحررية الوطنية تجلت بأبشع صورها في الهند الصينية حينما عمد الأمبرياليون الأمريكان، سعياً منهم للحفاظ على أهم المرتكزات الاستراتيجية بأي ثمن، إلى شن حرب عدوانية دموية أثارت سخطا مشروعاً في أوساط الرأي العام العالمي، بما في ذلك لدى القوى التقدمية في الولايات المتحدة ذاتها.
إن الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية البعيدة المدى التي تتوخاها قوى العدوان الإمبريالي من وراء "استراتيجية القواعد" تثير قلقاً وسخطاً مشروعين لدى أوسع الجماهير في البلدان التابعة. وإن التصرفات اللاأخلاقية بل والاجرامية العديدة التي يقوم بها أفراد القواعد العسكرية الأجنبية المتمتعون في أحوال كثيرة، يحقون الحصانة، هي انتقاص من العزة القومية للسكان المحليين.
إن القواعد العسكرية هي من رواسب "الحرب الباردة" ويشكل وجودها عقبة كأداة في طريق مواصلة تحسين الوضع الدولي، وهو يتناقض مع سياسة الانفراج والتعايش السلمي بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة.
لذا فإن النضال ضد "إستراتيجية القواعد" وضد السياسة العدوانية التي تمارسها القوى الرجعية الإمبريالية، يكتسب اليوم أبعاداً متعاظمة. وإلى جانب الجماهير الواسعة والأوساط التقدمية يشارك في هذا النضال أحياناً بعض ممثلي الهيئات الحكومية والتشريعية والصحفية والإعلامية في البلدان التي توجد على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية وفرنسية وغيرها. ويدرك كل إنسان سديد الفكر أن وجود القوات والقواعد العسكرية في بلد أجنبي لا يساعد على تعزيز سيادة هذا البلد، ويؤدي إلى تقويض اقتصاده، وينطوي على خطر عسكري كبير.
وتشكل القوى المناهضة "لاستراتيجية القواعد" الغالبية. ولكن لا يسعنا التغاضي عن عدداً غير قليل من دعاة الإبقاء على القواعد والقوات الأجنبية، يوجد في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية والدول الإمبريالية الأخرى، وكذلك في البلدان التي غدت مسرحاً "لاستراتيجية القواعد". وغالبية هؤلاء من الساسة الرجعيين وممثلي الأوساط العسكرية الصناعية وكبار رجال الأعمال ومرتزقتهم من موظفي مختلف هيئات الإعلام. وفي عداد أنصار الإبقاء على القواعد والقوات الإمبريالية في أراضي الغير الأوساط الموالية للإمبريالية في عدد من البلدان النامية والتابعة. وتحاول هذه القوى، خلافاً للأوضاع القائمة فعلياً في العالم، إقناع المواطنين في بلدانها بأنها القوات الأجنبية ضرورية للدفاع عن هذه البلدان وحماية مصالح العالم البورجوازي كله من خطر شيوعي مزعوم. وتحاول كذلك إقناع شعوب بلدانها بأن وجود قوات أجنبية سيعود عليها بمنفعة اقتصادية كبيرة. وتزعم أن "خطر التوسع الشيوعي" يهدد هذه الدول كلها، ولا مفر منه إلا بمواصلة تعزيز التحضيرات العسكرية وزيادة القدرات الحربية "للأسرة الغربية" و"المنظومة الأطلسية".
كما يدعو إلى الإبقاء على الوجود العسكري الأجنبي بعض فئات السكان المحليين العاملين في التجارة وفي خدمة القواعد العسكرية وخاصة في الموانئ التي ترسو فيها السفن الحربية الأجنبية، أو في الحاميات التي ترابط فيها القوات الأجنبية.
بيد أن القوى التقدمية والوطنية المعبرة عن مصالح الشعب الجذرية، تدرك حق الإدراك خطورة "استراتيجية القواعد" ومجافاتها لمهمات توطيد السلام والأمن الدولي، وتنخرط بنشاط متعاظم في النضال من أجل تصفية القواعد العسكرية وجلاء القوات الأجنبية عن أراضي الغير.
الفصل الثاني
المنطقة المركزية "لاستراتيجية القواعد"
في هزيع متأخر من إحدى ليالي أوائل آب عام 1964 كان السكون يلف القرى والمزارع الممتدة بحذاء السواحل الصخرية لخليج هولي ـ لوك الاسكتلندي، وكان نور المصابيح المتناثرة على امتداد الطريق لا يرى إلا بالكاد من خلال الضباب الكثيف. وفي هذه الأثناء كانت الغواصة حاملة الصواريخ الأمريكية "أندريو جيسكون" تنطلق دون ضوضاء مبتعدة عن القاعدة العائمة "كانوبوس" التي كانت محتمية بجدرانها العالية.
وبعد بضع ساعات، حينما كانت الغواصة قريبة من المنطقة المحددة لها للقيام بدوريتها طرق باب القبطان جندي الشفرة وكان الارتباك ظاهراً عليه. سلم الجندي القبطان نص برقية استلما للتو، وكانت الورقة تحمل ثلاثة حروف فقط: ASQ . ولم يكن معنى هذه الحروف ليخفى على الرجلين، إذ أنها كانت تعنى أن الغواصة تلقت أمراً قتالياً. وطبقاً لذلك كان ينبغي أن ترتفع الغواصة إلى عمق 20 متراً وتطلق جميع ما على متنها من الصواريخ الباليستيية "بولاريس" وعددها 16 صاروخاً. وبتعبير آخر كان من المرتقب أن ينطلق من جوف المحيط، من المكان الذي تتواجد فيه "أندريو جيسكون" 16 رأساً نووياً ذا قدرة عالية مصوبة مسبقاً على مدن غربية تبعد مئات الأميال عن هذا المكان، وكان يجب أن يتم ذلك بعد مرور 15ـ 20 دقيقة من تلقي الإيعاز.في ذلك الحين كان البنتاغون يعمد إلى تسعير أوار الحرب في فيتنام، والعالم كله في قبضة "الحرب الباردة" الخطرة وهو قلق من أن تتطور النزاعات المحلية إلى حريق يلتهم العالم.
وكان قبطان الغواصة "أندريو جيكسون" قد سمع قبل مغادرته قاعدة هولي ـ لوك أن حدثاً خطيراً قد وقع قبل يومين أو ثلاثة في خليج تونكين عند سواحل فيتنام، بل وتناهب إلى سمعه أقاويل تزعم أن زوارق طوربيد فيتنامية شمالية قد هاجمت مدمرتين أمريكيتين. وقيل أن هذا الحادث حدا ببعض "الصقور" في الكونغرس ووزارة الحربية في الولايات المتحدة إلى الإدلاء بتصريحات شديدة اللهجة تطالب بشن حرب غير محدودة ضد فيتنام على الفور، ورد الصاع صاعين، بل وإلقاء قنبلة نووية على هانوي، دون تهيب مما قد يعقب ذلك.
وكما قال القبطان فيما بعد فإن المعلومات المتوفرة لديهم آنذاك كانت مبتورة، وكل ما وصل إلى علمهم أن شيئاً ما يحدث ولكن دون أن يعرفوا كنه الأمر. كانوا يشعرون أن الوضع متأزم للغاية.. ولا شيء غير ذلك.
وقد أدت الشفرة ASQ وما أعقب ذلك من أوامر أصدرها القبطان إلى كهربة الجو في حاملة الصورايخ. وأدرك أفراد الطاقم كنه ما يحدث، وبدأت في الغواصة الاستعدادات لإطلاق الصواريخ. ولم يكن أفراد طاقم الغواصة "أندريو جيسكون" وعددهم 140 شخصاً يجهلون مغزى عملية الإطلاق التي سيقومون بها إذ أن كلا من الرؤوس النووية التي كان ينبغي أن تنطلق بعد بضع دقائق متجهة إلى الهدف، إلى مدن أجنبية، كان يفوق بأكثر من ثلاث مرات قوة القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما في آب عام 1945. وقد أودت كارثة هيروشيما بأرواح عشرات الآلاف من سكان المدينة ودمرت زهاء ثلثي مبانيها.
واضح أن البحارة الأمريكان كانوا على علم بذلك، ولكن أيا منهم، كما قال القبطان فيما بعد، لم يتردد ولم يساوره الشك في صواب ما تجني يداه. كان الجميع يعملون بهدوء وبرود استعداداً لإطلاق الصواريخ، لجريمة قتل جماعية تكون، بطبيعة الحال، إيذاناً ببدء حرب نووية مروعة.
وفي تصريح لمجلة "نيويورك تايمس ماغازين" تحدث القبطان فيما بعد عن ذكرياته فقال أنه خشي البدء أن يكون شيئاً ما قد حصل، إذ أن مثل هذه الأمور لا تحصل كل يوم. ولكنه استعاد هدوءه، وسار كل شيء على أحسن ما يرام، وكان كل فرد يؤدي عمله وكأنه أثناء التدريب.
… قبل خمس دقائق من إطلاق الصواريخ عاد جندي الشفرة يطرق باب القبطان. أخذ الضابط نص البرقية الجديدة وقرأه فارتعشت يداه. كانت الشفرة تقول أن خطأ قد حدث، وأن حالة الإنذار كانت تدريبية. وكل ما في الأمر أن جندي الشفرة في هيئة الأركان قد أخطأ في كتابة الرموز، وعوضاً عن الشفرة التي تعني الإنذار التدريبي قام ببث الحروف المشؤومة الثلاثة. ألغى أمر الإطلاق، وظلت الصواريخ في مرابضها.
حدث هذا قبل خمس دقائق فقط من الإطلاق!! ما كان يحصل لو…؟
عسير على المرء تصور ما كان ليحدث لو لم يكتشف الخطأ في هيئة الأركان، أو لو تأخرت البرقية الثانية خمس دقائق فحسب!! لو حدث شيء من ذلك لانطلق 16 صاروخاً من طراز "بولاريس" يزن كل منها عدة أطنان واحداً تلو الآخر من مرابضها، ولخرقت سطح الماء وانطلقت مدوية إلى عنان السماء الفاحمة. وما كانت الصواريخ لتستغرق أكثر من 20ـ 25 دقيقة لبلوغ الهدف وحينذاك، وإذا لم تعترضها قوات الدفاع الجوي في البلد المستهدف من قبل المعتدين، لادت إلى مصرع الملايين من البشر، ليس فقط في المدن والمناطق المصوبة إليها صواريخ الغواصة "أندريو جيكسون". إذ لو حدث ذلك لكان من المحتم أن توجه ضربة ردع هائلة خلال بضع دقائق ضد البلد الذي أشعل نيران الحرب واقترف جريمة ضد البشرية. وما كان لتسلم الدول التي جعلت من أراضيها موقعاً لقواعد العدوان الأمريكية وسمحت بتحويل موانئها إلى مراس تتخذها "أندريو جيكسون" وغيرها من الغواصات الصاروخية.
ثمة مثل إنكليزي حكيم يقول.. إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمينّ الناس بحجر. ويصدق المثل اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهو ينطبق على البريطانيين أكثر من غيرهم.
إن خليج هولي ـ لوخ الذي انطلقت منه الغواصة "أندريو جيكسون" في رحلتها المشؤومة صيف عام 1964 يقع في الشمال الغربي من الجزر البريطانية، في منطقة تتاخم مدينة غلاسكو وهي من أكبر المدن والمراكز الاقتصادية والثقافية في اسكتلنده. وهذا الواقع مدعاة قلق العديد من البريطانيين. وبسخرية مريرة يطلق أهالي غلاسكو على خليجهم الذي كان فيما مضى هادئاً لا يعرفه أحد تسمية المغناطيس النووي الأمريكي، ولا تجانب هذه التسمية الصواب. وهم على حق حينما يقولون أنه حتى لو تعرضت هولي ـ لوك إلى غارة اعتيادية في حالة نشوب قتال لأدى ذلك حتماً إلى وقوع ضحايا ودمار في المناطق القريبة. فما بالك إذا كانت الضربة الجوابية للهجة التي تعرضت لهجوم السفن الأمريكية المنطلقة من الخليج المذكور ضربة نووية؟
إن خليج هولي ـ لوك ليس البتة "المغناطيس النووي" الوحيد الذي يمتلكه البنتاغون في الأراضي البريطانية. فقد تبقت هناك منذ الحرب العالمية الثانية العديد من هيئات الأركان الأمريكية وقطعات قتالية وهيئات المؤخرة.
وفي فترة ما بعد الحرب شيد البنتاغون هناك عدداً كبيراً من المنشآت العسكرية الجديدة، بينها زهاء عشرين قاعدة عسكرية ضخمة، وفي المقام الأول القواعد الجوية التالية: ويزرسفيلد وليكنهيث وبنتووترس ورويسليب وملدنهول وأبّرـ هيفورد وغيرها. وغالبية هذه القواعد مقامة بالقرب من كبريات المدن مثل لندن وغلاسكو وليفربول وبرمنغهام وما نجستر، الأمر الذي يثير قلقاً مشروعاً لدى الكثير من البريطانيين، وخاصة أهالي هذه المدن والمناطق القريبة منها.
إن التغيرات الكبيرة الجارية في العالم وتطور الأسلحة ومعدات القتال وإعادة النظر في بنود معينة من المذهب العسكري الأمريكي، وبخاصة إقرار استراتيجية "الردع العقلاني" المعدة لشن الحرب النووية الشاملة والاعتيادية على حد سواء، ذلك كله ينعكس إلى درجة معينة على شبكة قواعد البنتاغون في بريطانيا. فخلال السنوات الأخيرة أعيد تنظيم عدد منها لجعلها صالحة للاستخدام من قبل الأنواع الجديدة من الطائرات، وجمد العمل في عدد آخر بشكل مؤقت، ولكن الغالبية جرى تحديثها وتوسيعها وهي تستخدم بشكل مكثف حالياً لضمان نشاطات القوات المسلحة الأمريكية في أوروبا ومنطقة المحيط الأطلسي.
ويرابط في هذه القواعد الجيش الجوي الأمريكي الثالث (أكثر من ثلاثمائة طائرة قتالية وزهاء عشرين ألف عسكري) وعدد من وحدات الإسناد والمؤخرة التابعة للجيش والقوات الجوية.
ويستخدم الطيران الأميركي على نطاق واسع هنا قواعد تمتلكها القوات الجوية البريطانية ولكنها وضعت تحت تصرف القوات المسلحة الموحدة لحلف الناتو.
وللقوات المسلحة الأمريكية قواعد في بلدان أخرى بأوروبا الغربية. ويستفاد من معلومات رسمية صادرة عن وزارة الحربية الأمريكية نشرتها مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبورت" أنه يوجد حالياً في أراضي أوروبا أكثر من 300 ألف جندي وضابط أمريكي (وفي الآونة الأخيرة يتزايد هذا الرقم باطراد) منهم 220 ألفاً في القوات البرية و 70 ألفاً في القوات الجوية. ويوجد في القارة زهاء 180 قاعدة كبرى علاوة على مئات المنشآت العسكرية الأخرى
*.
إن المجموعة العسكرية الأمريكية المرابطة في أوروبا الغربية هي من أكبر وحدات البنتاغون البرية وأحسنها تدريباً وتتألف من فيلقي مشاة وأربع فرق آلية ومدرعة وعدد من الألوية والأفواج المستقلة بالإضافة إلى عدد كبير من تشكيلات وقطعات التعزيز والتأمين ومن بينها ألوية وكتائب صاروخية وصاروخية مضادة للجو ومدفعية وما إلى ذلك. كما ترابط بشكل دائم في الأراضي الأوروبية ثلاثة من جيوش سلاح الجو الأمريكي وقوات بحرية كبيرة.
وحشد البنتاغون في أوروبا الغربية أكبر ترسانات الذخيرة النووية محولاً هذه المنطقة إلى مستودع نووي. وذكر الصحف الأجنبية أن الترسانة الذرية الأمريكية في أوروبا تتألف من زهاء ثمانية آلاف قطعة بينها قنابل الطائرات والعبوات والتوربيدات والقذائف المدفعية ورؤوس الصواريخ.. الخ. ويوجد عدد من هذه القطعات، كالعبوات النووية، في مخازن مخفية بدقة شيدت في ألمانيا الاتحادية وبلدان أخرى في أهم مناطق التقاء خطوط القطارات والسيارات وعند الجسور والمعابر والمضائق الجبلية وأماكن أخرى.
إن وجود هذا العدد الكبير من الذخائر النووية الأمريكية والعدد المماثل من معدات إيصالها إلى الهدف في أراضي أوروبا الغربية، يثير اليوم قلقاً متزايداً في أوساط الرأي العام الأوروبي. وفي محاولة لتبرير هذه الخطوات وتصويرها كإجراءات اضطرارية, تزعم الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون الرجعية أن ذلك كله هو تدبير حيوي ضروري لإنقاذ أوروبا في حالة حصول "زحف من الشرق". وهذه المزاعم متهافتة لا أساس لها من الصحة إطلاقاً، الأمر الذي اضطرت حتى الصحافة الأمريكية لى الاعتراف به. فقد كتب هارش معلق صحيفة "كريستشين ساينس مونيتور" يقول: "من الخطأ الاعتقاد بأن القوات والقواعد الأمريكية متواجدة في أوروبا بوازع من الإيثار أو حب الأوروبيين. فهذا هراء بطبيعة الحال. أنها متواجدة هناك ليس بدافع الحرص المرهف على رخاء الآخرين، بل لأغراض نفعية شخصية، وبالدرجة الأولى للسهر على مصالح الولايات المتحدة في هذا الجزء من العالم الذي له أهمية قصوى لرخاء أمريكا"
*.
وخلافاً للوقائع، لا تزال إحدى الذرائع التي غالباً ما تطرح لتبرير الحاجة القصوى المزعومة للإبقاء على "الوجود العسكري" الأمريكي في أوروبا الغربية بشكل مستمر، تتلخص في زعم مفتعل حول وجود "خطر دائم من قبل الشيوعية العالمية" والادعاء بأن لبلدان معاهدة وارسو "قبضة مدرعة خطرة مهيأة للانقضاض على البلدان الغربية في أي لحظة" وأن هذه "القبضة المدرعة" متواجدة عند حدود دول أوروبا الغربية.
ومثال هذه الدعاية الكتاب الذي صدر في بريطانيا عام 1974 بعنوان "أزمة الدفاع الأوروبي" والذي لم يأل مدبجوه جهداً لتخويف قرائهم بخطر هو من بنات خيالهم، حيث يزعمون أن "الأرتال الآلية الروسية" يمكن في أي لحظة أن "تكتسح السهوب الأوروبية من جهة الشرق". وبغية ترسيخ هذه الأكذوبة في ذهن القارئ يورد الكتاب شتى الحسابات والأرقام التي ينبع منها أن قوات البلدان الاشتراكية الأوروبية تفوق عدة أضعاف قوات بلدان حلف الناتو من حيث الدبابات والمدفعية والصواريخ والمعدات الحربية الأخرى، وأنها تقوم باستعدادات محمومة "لغزو الغرب" وقد عيا صبرها في انتظار لحظة البدء لتدمير الحضارة الغربية
*.
إن هذه الأساليب والحجج التي تسوقها الدعاية الغربية ليست مبتكرة. فما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى شرعت الدول الإمبريالية، بزعامة الولايات المتحدة وتحت سترا "حماية الحضارة" من خطر "الشيوعية العالمية" المزعوم، شرعت بإنشاء شبكات أحلاف عسكرية عدوانية وإقامة شبكة واسعة متطورة من القواعد العسكرية ليس في أوروبا الغربية فحسب، بل وفي الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجزر المحيطين الهادي والهندي ومناطق أخرى. واعتماداً على هذه القواعد والقوات المتواجدة فيها وبتسعير أوار معاداة الشيوعية، سعى الإمبرياليون لتعزيز مواقعهم في المناطق الهامة الاستراتيجية وتكبيل البلدان التابعة بالمزيد من الأغلال، لكي يمارسوا على نطاق أوسع استغلال شعوب هذه البلدان وثرواتها الطبيعية والتدخل في شؤونها الداخلية وصياغة سياستها. وكانت الدعاية البورجوازية تطلق على خصوم التحكم الإمبريالي نعوت "عملاء الشيوعية العالمية" و"صنائع موسكو".
وبطبيعة الحال فإن البلدان المحبة للسلام كان لزاماً عليها أن تحرص على أمنها لمواجهة التحضيرات العدوانية الإمبريالية وتصاعد حمىّ معاداة الشيوعية. واضطرت البلدان الاشتراكية الأوروبية إلى اتخاذ تدابير معينة،وعقدت معاهدة وارشو عام 1955. وطبقاً لروح هذه المعاهدة وأحكامها الأساسية تم تأسيس القيادة الموحدة وهيئات الأركان والقوات المسلحة الموحدة للبلدان المتحالفة، وتواجد عدد من التشكيلات والقطعات السوفييتية في أراضي جمهورية ألمانيا الديمقراطية وغيرها من بلدان معاهدة وارشو. ولكن الاتحاد السوفييتي وسائر البلدان الأعضاء في معاهدة وارشو أكدت عند عقد هذه المعاهدة وفيما بعد أن هذا التحالف هو إجراء اضطراري ومؤقت، شأن سائر التدابير الدفاعية المنبثقة عنه، كما دعت البلدان الغربية وخاصة الولايات المتحدة وسائر دول حلف الناتو إلى الشروع بمفاوضات حول حل الحلفين أو حل منظومتيها العسكريتين كخطوة أولى دعما للانفراج في أوروبا والعالم أجمع.
وكان مؤتمر هلسنكي لعموم أوروبا ثمرة جهود بذلتها البلدان الاشتراكية خلال سنين عديدة، وثمرة نشاطات القوى المحبة للسلام في العالم كله والتي أيدها القادة ذوو التفكير السديد في الدول الغربية. وخلقت الوثيقة الختامية التي وقع عليها جميع المشاركين في المؤتمر، خلقت ظروفاً مؤاتية لمواصلة تعزيز السلام والتعاون القائم على علاقات حسن الجوار في أوروبا وخارجها على حد السواء.
وبالرغم من ذلك فقد ظلت بعد مؤتمر هلسنكي مجموعة من القضايا المعلقة وعلى رأسها مسألة استكمال الانفراج السياسي بانفراج عسكري.
إن الاتحاد السوفييتي وسائر البلدان الأعضاء في معاهدة وارشو تدعو بحزم إلى اتخاذ قرارات بهذا الصدد وهي تدعو بلدان الغرب مرة أثر أخرى إلى حل مسألة نزع السلاح الفعلي والتقليص المتبادل للقوات المسلحة وانسحاب القوات المتواجدة في الأراضي الأجنبية وتصفية القواعد العسكرية في أراضي الغير. وللأسف لا تجد هذه النداءات المتجاوبة مع مصالح البشرية جمعاء، الدعم اللازم من قبل الولايات المتحدة وسائر بلدان حلف الناتو. وتسعى الدوائر الإمبريالية الرجعية في هذه البلدان، بشتى السبل، لعرقلة حل مسألة الانفراج العسكري. وإن البنتاغون ومن يقف وراءه يصمون أسماعهم عن النداءات الداعية إلى انسحاب القوات المسلحة الأمريكية وتصفية القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا وخاصة في ألمانيا الاتحادية، بل أنهم يصمون الأسماع عن النداءات الداعية لإجراء أي تقليص ملموس في هذه القوات. ولكن تجدر الإشارة إلى أن وزارة الحربية الأمريكية اتخذت خلال الأعوام الأخيرة قرارات حول تجميد بعض منشآتها الثانوية في غرينلاند واسبانيا وبريطانيا وبلدان أخرى، وأثارت ضجة دعائية كبرى حول هذه المسألة. ولكن البنتاغون نفسه لا يخفي أنه أقدم على ذلك، بالدرجة الأولى، انطلاقاً من اعتبارات تكتيكية بحتة لأن هذه القواعد فقدت أهميتها القتالية السابقة بفعل التغيرات لجوهرية الناجمة عن الثورة الحاصلة في الميدان العسكري وظهور أصناف جديدة من الأسلحة. أما القواعد الأساسية وخاصة الواقعة في أهم المناطق الاستراتيجية المتاخمة لحدود الدول المحبة للسلام، فإنها على أهبة الاستعداد القتالي ويجري تحديثها وتوسيعها باطراد.
وينسحب هذا بالدرجة الأولى على القواعد الأمريكية في قلب أوروبا الغربية. فإن أراضي ألمانيا الاتحادية، مثلاً، هي اليوم أكبر منطقة تحشد للقوات والقواعد الأمريكية في أوروبا الغربية. وترابط هناك القوات البرية الأساسية التابعة للقيادة الأوروبية للقوات المسلحة الأمريكية، وهي فيلقا المشاة الخامس والسابع وقوامهما أكثر من 180 ألف جندي وضابط، وخيرة تشكيلاتها القتالية تدريباً وغالبية الدبابات وقطعات الإسناد الصاروخي النووي الأساسية وقوات ثانوية وغيرها. كما يرابط في ألمانيا الاتحادية الجيش الجوي السابع عشر التابع للقيادة التكتيكية للقوات الجوية الأمريكية، وهو يتألف مما يزيد على 260 طائرة قتال وأكثر من 32 ألف فرد. كما ترابط في ألمانيا الاتحادية بعض الوحدات ومؤسسات القوات البحرية الأمريكية. ويربو التعداد الإجمالي لمنتسبي القوات المسلحة الأمريكية المرابطين في أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية على 220 ألف جندي وضابط
*.وتعتمد هذه القوات على شبكة واسعة من القواعد والمنشآت الأمريكية المقامة على أراضي ألمانيا الاتحادية وهي تتألف مما يزيد على 200 موقع عسكري ضخم، عدا مراكز الاتصال وقواعد النقل و مرائب السيارات والمستودعات وميادين الرماية ومراكز الاستطلاع ومواقع الإنصات الراديو تكنيكي والإنذار والاتصال
* “U.S news and World report” Dec. 29, 1975, P. 21.
* * “U.S news and World report” Dec. 29, 1975, P. 20 - 21.
* “Christian Science Monitor” Jan. 19. 1971.
* “Crisis in European” by Geoffrey and Allan Williams, London . 1974. P. 92.
* “Air Force Magazine”, Dec. 1975, p. 48 _ 49.

القواعد العسكرية الأمريكية

ما هي القواعد العسكرية الأمريكية في أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية؟
لنأخذ مثلاً ما يسمى بـ "المثلث الاستراتيجي" القائم على أراضي اقليمي الراين الشمالي ـ ويستفاليا وراينلاند ـ بفالتس في ألمانيا الغربية والمتكون من ثلاث قواعد جوية أمريكية متكاملة كبرى هي قواعد بيتبورغ وهآن وشبنغدالم. وقد ذكرت الصحف الأمريكية أن هذه القواعد تضم مطارات مجهزة بأحدث المعدات وبإمكانها استقبال الطائرات الحديثة على اختلاف أنواعها، بما في ذلك طائرات النقل الثقيلة للغاية "س 5 غالاكسي" و ورشات تصليح مجهزة تجهيزاً جيداً ومستودعات كبرى لخزن الوقود والذخائر (بما فيها الذخائر النووية) ومؤن أخرى. وترتبط القواعد فيما بينها ومع هيئات الأركان المسؤولة عنها بخطوط اتصال مزدوجة، ومدت أنابيب واسعة القطر لتجهيزها بالوقود. كما أشارت الصحف إلى أنه يجري خلال الأعوام الأخيرة تصعيد القدرات القتالية لهذه القواعد وبناء منشآت جديدة كما تم ترميم وتحديث عدد من المطارات وشيدت تحت الأرض عنابر جديدة و ورشات ومستودعات وخزانات وثكنات ودور سكن للجنود والضباط.
ويقوم البنتاغون بعملية بناء واسعة في العديد من القواعد العسكرية الأخرى بألمانيا الغربية، ومن ضمنها القواعد التي لا تدرج في عداد الكبريات ويندر ورود ذكر لها في الصحف ويسدل حولها ستار من الكتمان لكيلا تتناهى أبناؤها إلى الرأي العام.
وتقع إحدى هذه المنشآت العسكرية في منطقة جبلية بأقليم بافاريا في جنوب البلد، وهي نائية عن الأماكن المأهولة وتقع على سفوح جبال الألب التي تغطيها الغابات الكثيفة.
إذا سار المرء في طريق السيارات منطلقاً من ميونيخ عاصمة إقليم بافاريا باتجاه الحدود النسماوية في الجنوب فإنه سيلاحظ بعد 30ـ 35 كيلومتراً طريقاً فرعياً إلى اليمين حركة السيارات عليه قليلة. وعندما يحيد إلى هذا الطريق ويجتاز بحيرة تيغيرن الخلابة يمكن أن يشاهد في الوادي سطوح بيوت مدينة صغيرة هي باد ـ تولتس. وفي سنوات الرايخ الهتلري كان صيت هذه المدينة قد ذاع، إذ كان فيها مركز تدريبي ومدرسة ضباط قوات "اس ـ أس" وهم صفوة الجحافل الفاشية.
أما الآن فإن المرء يشاهد على امتداد الطريق عند مدخل باد ـ تولتس جداراً طويلاً وبالقرب منه يافطات كتب عليها "منطقة محظورة !! الوقوف ممنوع!!". وهناك بوابة واسعة والحجرة الزجاجية لمركز التفتيش وفحص الهويات وقد كتب عليها "ممتلكات الولايات المتحدة. أبرز هويتك. من يدخل بدون إذن يحاسب أمام القانون".
وتشاهد من خلف البوابة العديد من المنشآت القديمة والجديدة. ودور السكن ومباني الدوائر. ثم تشاهد ساحة عرضات واسعة وخلفها سلسلة من الحواجز وميدان لتدريب الكلاب. وفي وسط المنطقة صارية عليها علم الولايات المتحدة.
توجد في باد ـ تولتس قاعدة أمريكية بالغة الأهمية وهي المركز الرئيسي "للقوات الخاصة" في أوروبا. وإلى آونة قريبة كانت ترابط هنا باستمرار واحدة من أكبر تشكيلات "القوات الخاصة" وأكثرها استعداداً للقتال وهي المجموعة الخاصة العاشرة مع وسائل التعزيز. وقد خفت الضوضاء هنا بعض الشيء فنظراً لتعاظم حركة التحرير الوطني في بلدان أخرى اضطرت وزارة الحربية الأمريكية إلى نقل اثنتين من كتائب المجموعة العاشرة من ألمانيا الاتحادية إلى حامية فورت ديفيس في ولاية ماساتشوزيتس بالولايات المتحدة، حيث يقوم أفراد الكتيبتين، بمعية واحدات "القوات الخاصة" الأخرى المرابطة في أمريكا، بالتحضير على قدم وساق لعمليات تخريبية وإرهابية ليس في بلدان أوروبا والشرق الأوسط فحسب، بل وفي مناطق أخرى، علماً بأن "الأهداف الأوروبية الشرق أوسطية" ما برحت المهمة الأساسية للكتيبتين.
وما زالت توجد في باد ـ تولتس التي أصبحت مهمات قواتها الآن موجودة بالدرجة الأولى ضد أوروبا الشرقية وحوض البحر الأبيض المتوسط، الكتيبة المعززة الثالثة للمجموعة العاشرة وجزء كبير من تجهيزات الكتيبتين الآخريين لاستخدامها "للأغراض السابقة" إذا ما دعت الضرورة. ويساهم أفراد الكتيبة بانتظام في مختلف تدريبات ومناورات الجيش الأمريكي وقوات حلف الناتو في أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية والدنمارك والنروج واليونان وإيطاليا، ولأكثر من مرة كان جنود الكتيبة ينقلون بسرعة وبكامل عددهم القتالية إلى طائرات لا تحمل علامات مميزة وينزلون جواً في جزيرة كريت أو جزيرة صقلية أو أماكن أخرى. ولم يكن الجنود ولا حتى الضباط يعرفون البتة ما إذا كان هذا الإنزال تدريبياً أو أنه بداية عمليات قتالية فعلية. وعلى حد تعبير صحفية "آرمي تايمس" فإن أية عملية هي عملية قتالية بالنسبة للمخربين المرتزقة الذي يجري انتقاؤهم وإعدادهم بدقة وتعويدهم على ألا يفكروا أو يوجهوا أسئلة. وليس من قبيل الصدف أن يكون شعارهم غير المعلن هو:"نحن نعرف مائة طريقة وطريقة للقتل بصمت ومستعدون دوماً لتطبيق واحدة منها".
ويجند لوحدات وقطعات "القوات الخاصة" شقاة يتم اختيارهم بدقة، وبينهم أشخاص بلا جنسية وخونة بل وحتى مجرمون من المهاجرين الذين تركوا أوطانهم والتاذوا بأذيال وكالة المخابرات المركزية أو المخابرات العسكرية الأمريكية. ومن الأمور ذات الدلالة أن العديد من جنود "القوات الخاصة" ليسوا من مواطني الولايات المتحدة، بل وأنهم لم يقطنوا هذا البلد إطلاقاً ولا يعرفون اللغة الإنكليزية. ويرتدي أفراد هذه القوات زياً خاصاً سمته المميزة الرئيسية هي القبعة الخضراء. وكتب مراسل لمجلة "نيوزويك" تفقد قطعات "القبعات الخضر" يقول أن الأوامر تصدر في بعض الوحدات لا باللغة الإنجليزية بل بلغة البلد الذي يستعد أفراد هذه الوحدة للعمل ضده.
وتعكف كل مجموعة من "ذوي القبعات الخضر" على دراسة بلد "الخصم المحتمل" أو حتى دراسة منطقة معينة منه ولغات وعادات وأعراف سكانها وإمكانية تنظيم "حركة أنصار" هناك، أو عل العكس إمكانية محاربة القوات الوطنية والقيام بعمليات ضد الأنصار. ويتعلم هؤلاء الجنود والضباط كيفية البقاء على قيد الحياة والقيام بعمليات في أعقد الظروف: في الأدغال وأعالي الجبال، تحت لهيب الشمس الاستوائية وفي الرحاب القطبية المتجمدة، في الغابات والمستنقعات. وذكرت مجلة "نيوزويك" أن "ذوي القبعات الخضر" حينما يغادرون الحامية ويتجهون إلى موقع التدريب في قلب الغابة فإنهم يكونون أشبه بعصابة لصوص تستعد لنهب قطار بريد بوحدة عسكرية في جيش نظامي.
وقد كتبت مجلة "ميلتري ريفيو" بصراحة بالغة عن نوايا استراتيجيي البنتاغون في استخدام "ذوي القبعات الخضر" المتواجدين في باد ـ تولتس، وقالت: "إذا ما اندلعت الحرب فإن عدة طائرات أمريكية ستنطلق في ساعاتها الأولى أو حتى قبل اندلاعها، من قواعد في جنوب ألمانيا وتتجه نحو الشرق أو الجنوب الشرقي أو الجنوب. وفي الجو ستنفتح تشكيلة الطائرات كالمروحة وتأخذ كل منها طريقها، وبعد مضي وقت قليل تعبر الحدود. وستهبط من هذه الطائرات مجموعات مظليين بكامل أسلحتهم ومتفجراتهم، لينزلوا، مناطق غابات كثيفة أو أماكن جبلية وعرة في أراضي الغير. وبعد بضعة أيام سوف تنسف في مؤخرة العدو الجسور والقطارات وتشن هجمات على طوابير القوات المسلحة".
إن الوحدات التخريبية المرابطة في باد ـ تولتس شأن سائر "القوات الخاصة" لا تقتصر على الاستعداد للعمليات المقبلة، بل أنها شاركت مراراً في عمليات فعلية. وهكذا كان الحال عام 1956 حينما ساهم فريق من أفراد المجموعة العاشرة، انطلقوا من أراضي ألمانيا الاتحادية والنمسا، ساهموا بنشاط في دعم التمرد المعادي للثورة في المجر، وفي ذات الوقت نقل فريق آخر إلى الشرق الأوسط حيث قام بمساعدة القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية أثناء عدوانها على مصر. وفي عام 1958 شاركت وحدات من هذه المجموعة في عمليات الغزاة الأمريكان والبريطانيين في لبنان والأردن. وقام "الخبراء" الوافدون من باد ـ تولتس بعمليات مشابهة كثيرة في الأعوام اللاحقة.
يوجد في أراضي ألمانيا الاتحادية عدد غير قليل من القواعد المماثلة التي تشكل خطراً كبيراً على شعوب الدول الأخرى وعلى سكان ألمانيا الغربية ذاتها، إذ لا يعرف أحد ماهية النوايا التي قد تعّن للبنتاغون، والمصدر الذي قد يستشعر منه الخطر والجهة التي سيختارها هدفاً يرسل لمحاربته جنوده الذين يعرفون "مائة طريقة وطريقة للقتل بصمت" ولا يستبعد أن يصبح حلفاء الولايات المتحدة ذاتهم مثل هذا الهدف.
وبالرغم من بعض التحسن الذي طرأ على الوضع في أوروبا فإن واشنطن لا تعتزم خفض قواتها وقواعدها العسكرية في أوروبا وبخاصة في جمهورية ألمانيا الاتحادية، وهي تأمل المكوث هناك مدة طويلة. وفي تصريح لصحيفة "أوفرسيز ويلى" العسكرية قال الجنرال مايكل ديفيسون القائد العام السابق للقوات الأمريكية في أوروبا، أن الولايات المتحدة تعتزم الاحتفاظ بوجودها العسكري وقواعدها في ألمانيا الغربية "طالما هي (أمريكا) بحاجة لذلك". وصدرت تصريحات مماثلة عن غيرهم من كبار القادة العسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة. وليست هذه مجرد كلمات تقال، بل إنها تجسدت في العديد من الأفعال، وبينها عملية نقل لواء, ثم لواء آخر في قوات المشاة المعززة من الولايات المتحدة إلى ألمانيا الاتحادية عامي 1975ـ 1976 وذلك لتعزيز مواقع القوات الأمريكية في أوروبا. وعلاوة على ذلك فإن حشوداً كبيرة من القوات البرية الأمريكية تنقل باستمرار من الولايات المتحدة إلى أوروبا جواً وبحراً إبان مختلف التدريبات والمناورات التي تجري، عادة، وفقاً لأساليب "الحرب الباردة" الملغومة بالعداء لقوى التقدم والديمقراطية.
كما أن القوات المسلحة البريطانية لا تعتزم الانسحاب من قواعدها في جمهورية ألمانيا الاتحادية. وترابط هناك حالياً أكبر المجموعات البرية وأكثرها استعداداً للقتال، نعنى بها جيش الراين البريطاني وأكثرها استعداداً للقتال، نعنى بها جيش الراين البريطاني وقوامه، طبقاً لمعطيات معهد الدراسات اللاستراتيجية في لندن، ثلاث فرق وقطعات أخرى تابعة لجيوش وفيالق، يربو تعدادها الإجمالي على 55 ألف ضابط وجندي
*. وإضافة إلى ذلك يوجد في ألمانيا الاتحادية عدد من هيئات أركان القوات الجوية البريطانية وقطعاتها وبحوزة هذه القوات عدد من القواعد والمطارات الهامة وميادين الرمي وساحات التدريب ويقيم أفرادها في حاميات مغلقة وهم لا يخضعون للقوانين المحلية.
إن القواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية وبريطانيا تشكل المجموعتين الأساسيتين لشبكة قواعد البنتاغون في أوروبا الغربية. وعلاوة على ذلك تمتلك الولايات المتحدة عدداً من القواعد الهامة في البلدان الأخرى الأعضاء في حلف الناتو. فعلى سبيل المثال تستخدم الولايات المتحدة باستمرار، باعتبارها "الحليف الأكبر" عدداً من القواعد الجوية والبحرية التي وضعتها الأوساط الحاكمة الهولندية والبلجيكية والدنماركية والنرويجية تحت تصرف القيادة الموحدة لقوات حلف الناتو. وذكرت الصحف أنه يوجد في هذه البلدان أيضاً عدد كبير من المنشآت العسكرية الأمريكية كمحطات الاستطلاع اللاسلكي والمتابعة والاتصال ونقاط الرصد الراداري البعيد وتوجيه الطائرات والسفن الحربية بما فيها الغواصات، ومنشآت أخرى.
ويفرد البنتاغون أهمية خاصة لقواعده المقامة في شمال المحيط الأطلسي، ومنها قواعده في إيسلندا وغرينلند.
وبالرغم من احتجاجات جزء كبير من سكان إيسلندا وسخطهم الشديد، ونضال القوى الطليعية للشعب الإيسلندي في سبيل الاستقلال الن